الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
510
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
عليهم . ونودوا بوصف الكافرين تحقيرا لهم وتأييدا لوجه التبرؤ منهم وإيذانا بأنه لا يخشاهم إذا ناداهم بما يكرهون مما يثير غضبهم لأن اللّه كفاه إياهم وعصمه من أذاهم . قال القرطبي : قال أبو بكر بن الأنباري : إن المعنى : قل للذين كفروا يا أيها الكافرون أن يعتمدهم في ناديهم فيقول لهم : يا أيها الكافرون ، وهم يغضبون من أن ينسبوا إلى الكفر . فقوله : لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ إخبار عن نفسه بما يحصل منها . والمعنى : لا تحصل مني عبادتي ما تعبدون في أزمنة في المستقبل تحقيقا لأن المضارع يحتمل الحال والاستقبال فإذا دخل عليه ( لا ) النافية أفادت انتفاءه في أزمنة المستقبل كما درج عليه في « الكشاف » ، وهو قول جمهور أهل العربية . ومن أجل ذلك كان حرف ( لن ) مفيدا تأكيد النفي في المستقبل زيادة على مطلق النفي ، ولذلك قال الخليل : أصل ( لن ) : لا أن ، فلما أفادت ( لا ) وحدها نفي المستقبل كان تقدير ( أن ) بعد ( لا ) مفيدا تأكيد ذلك النفي في المستقبل فمن أجل ذلك قالوا إن ( لن ) تفيد تأكيد النفي في المستقبل فعلمنا أن ( لا ) كانت مفيدة نفي الفعل في المستقبل . وخالفهم ابن مالك كما في « مغني اللبيب » ، وأبو حيان كما قال في هذه السورة ، والسهيلي عند كلامه على نزول هذه السورة في « الروض الأنف » . ونفي عبادته آلهتهم في المستقبل يفيد نفي أن يعبدها في الحال بدلالة فحوى الخطاب ، ولأنهم ما عرضوا عليه إلا أن يعبد آلهتهم بعد سنة مستقبلة . ولذلك جاء في جانب نفي عبادتهم للّه بنفي اسم الفاعل الذي هو حقيقة في الحال بقوله : وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ، أي ما أنتم بمغيّرين إشراككم الآن لأنهم عرضوا عليه أن يبتدءوا هم فيعبدوا الرب الذي يعبده النبي صلى اللّه عليه وسلم سنة . وبهذا تعلم وجه المخالفة بين نظم الجملتين في أسلوب الاستعمال البليغ . وهذا إخباره إياهم بأنه يعلم أنهم غير فاعلين ذلك من الآن بإنباء اللّه تعالى نبيئه صلى اللّه عليه وسلم بذلك فكان قوله هذا من دلائل نبوءته نظير قوله تعالى : فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا [ البقرة : 24 ] فإن أولئك النفر الأربعة لم يسلم منهم أحد فماتوا على شركهم . وما صدق ما أَعْبُدُ هو اللّه تعالى وعبر ب ما الموصولة لأنها موضوعة للعاقل وغيره من المختار وإنما تختص ( من ) بالعاقل ، فلا مانع من إطلاق ( ما ) على العاقل إذا