الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

502

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

الأضحى تكون السورة مدنية ويبعث على أن قوله تعالى : إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ ليس ردّا على كلام العاصي بن وائل كما سنبين ذلك . والأظهر أن هذه السورة مدنية ، وعلى هذا سنعتمد في تفسير آياتها . وعلى القول بأنها مكية عدّوها الخامسة عشرة في عداد نزول السور ، نزلت بعد سورة العاديات وقبل سورة التكاثر . وعلى القول بأنها مدنية فقد قيل : إنها نزلت في الحديبية . وعدد آيها ثلاث بالاتفاق . وهي أقصر سور القرآن عدد كلمات وعدد حروف ، وأما في عدد الآيات فسورة العصر وسورة النصر مثلها ولكن كلماتهما أكثر . أغراضها اشتملت على بشارة النبي صلى اللّه عليه وسلم بأنه أعطي الخير الكثير في الدنيا والآخرة . وأمره بأن يشكر اللّه على ذلك بالإقبال على العبادة . وأن ذلك هو الكمال الحق لا ما يتطاول به المشركون على المسلمين بالثروة والنعمة وهم مغضوب عليهم من اللّه تعالى لأنهم أبغضوا رسوله ، وغضب اللّه بتر لهم إذا كانوا بمحل السخط من اللّه . وأن انقطاع الولد الذكر ليس بترا لأن ذلك لا أثر له في كمال الإنسان . [ 1 ، 2 ] [ سورة الكوثر ( 108 ) : الآيات 1 إلى 2 ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ ( 1 ) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ ( 2 ) افتتاح الكلام بحرف التأكيد للاهتمام بالخبر . والإشعار بأنه شيء عظيم يستتبع الإشعار بتنويه شأن النبي صلى اللّه عليه وسلم كما تقدم في إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ [ القدر : 1 ] . والكلام مسوق مساق البشارة وإنشاء العطاء لا مساق الإخبار بعطاء سابق . وضمير العظمة مشعر بالامتنان بعطاء عظيم . و الْكَوْثَرَ : اسم في اللغة للخير الكثير صيغ على زنة فوعل ، وهي من صيغ