الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

495

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

العراق ( أي البصرة والكوفة ) ، وقال الشيخ علي النوري الصفاقسي في « غيث النفع » : وآيها سبع حمصي ( أي شامي ) وست في الباقي . وهذا يخالف ما قاله الآلوسي . أغراضها من مقاصدها التعجيب من حال من كذبوا بالبعث وتفظيع أعمالهم من الاعتداء على الضعيف واحتقاره والإمساك عن إطعام المسكين ، والإعراض عن قواعد الإسلام من الصلاة والزكاة لأنه لا يخطر بباله أن يكون في فعله ذلك ما يجلب له غضب اللّه وعقابه . [ 1 - 3 ] [ سورة الماعون ( 107 ) : الآيات 1 إلى 3 ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ أَ رَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ ( 1 ) فَذلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ ( 2 ) وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ ( 3 ) الاستفهام مستعمل في التعجيب من حال المكذبين بالجزاء ، وما أورثهم التكذيب من سوء الصنيع . فالتعجيب من تكذيبهم بالدين وما تفرع عليه من دعّ اليتيم وعدم الحضّ على طعام المسكين ، وقد صيغ هذا التعجيب في نظم مشوّق لأن الاستفهام عن رؤية من ثبتت له صلة الموصول يذهب بذهن السامع مذاهب شتى من تعرف المقصد بهذا الاستفهام ، فإن التكذيب بالدين شائع فيهم فلا يكون مثارا للتعجب فيترقب السامع ما ذا يرد بعده وهو قوله : فَذلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ وفي إقحام اسم الإشارة واسم الموصول بعد الفاء زيادة تشويق حتى تقرع الصلة سمع السامع فتتمكن منه كمال تمكّن . وأصل ظاهر الكلام أن يقال : أرأيت الذي يكذب بالدين فيدع اليتيم ولا يحض على طعام المسكين . والإشارة إلى الذي يكذب بالدين باسم الإشارة لتمييزه أكمل تمييز حتى يتبصر السامع فيه وفي صفته ، أو لتنزيله منزلة الظاهر الواضح بحيث يشار إليه . والفاء لعطف الصفة الثانية على الأولى لإفادة تسبب مجموع الصفتين في الحكم المقصود من الكلام ، وذلك شأنها في عطف الصفات إذا كان موصوفها واحدا مثل قوله تعالى : وَالصَّافَّاتِ صَفًّا * فَالزَّاجِراتِ زَجْراً * فَالتَّالِياتِ ذِكْراً [ الصافات : 1 - 3 ] . فمعنى الآية عطف صفتي : دع اليتيم ، وعدم إطعام المسكين على جزم التكذيب بالدين .