الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
492
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وتعريف رَبَّ بالإضافة إلى هذَا الْبَيْتِ دون أن يقال : فليعبدوا اللّه لما يومئ إليه لفظ رَبَّ من استحقاقه الإفراد بالعبادة دون شريك . وأوثر إضافة رَبَّ إلى هذَا الْبَيْتِ دون أن يقال : ربهم للإيماء إلى أن البيت هو أصل نعمة الإيلاف بأن أمر إبراهيم ببناء البيت الحرام فكان سببا لرفعة شأنهم بين العرب قال تعالى : جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنَّاسِ [ المائدة : 97 ] وذلك إدماج للتنويه بشأن البيت الحرام وفضله . والبيت معهود عند المخاطبين . والإشارة إليه لأنه بذلك العهد كان كالحاضر في مقام الكلام على أن البيت بهذا التعريف باللام صار علما بالغلبة على الكعبة ، و « رب البيت » هو اللّه والعرب يعترفون بذلك . وأجري وصف الرب بطريقة الموصول الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ لما يؤذن به من التعليل للأمر بعبادة رب البيت الحرام بعلة أخرى زيادة على نعمة تيسير التجارة لهم ، وذلك مما جعلهم أهل ثراء ، وهما نعمة إطعامهم وأمنهم . وهذا إشارة إلى ما يسّر لهم من ورود سفن الحبشة في البحر إلى جدة تحمل الطعام ليبيعوه هناك . فكانت قريش يخرجون إلى جدة بالإبل والحمر فيشترون الطعام على مسيرة ليلتين . وكان أهل تبالة وجرش من بلاد اليمن المخصبة يحملون الطعام على الإبل إلى مكة فيباع الطعام في مكة فكانوا في سعة من العيش بوفر الطعام في بلادهم ، وكذلك يسر لهم إقامة الأسواق حول مكة في أشهر الحج وهي سوق مجنّة ، وسوق ذي المجاز ، وسوق عكاظ ، فتأتيهم فيها الأرزاق ويتسع العيش ، وإشارة إلى ما ألقي في نفوس العرب من حرمة مكة وأهلها فلا يريدهم أحد بتخويف . وتلك دعوة إبراهيم عليه السلام إذ قال : رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ [ البقرة : 136 ] فلم يتخلف ذلك عنهم إلا حين دعا عليهم النبي صلى اللّه عليه وسلم بدعوته : « اللهم اجعلها عليهم سنين كسنين يوسف » ، فأصابتهم مجاعة وقحط سبع سنين وذلك أوّل الهجرة . و مِنْ الداخلة على جُوعٍ وعلى خَوْفٍ معناها البدلية ، أي أطعمهم بدلا من الجوع وآمنهم بدلا من الخوف . ومعنى البدلية هو أن حالة بلادهم تقتضي أن يكون أهلها في جوع فإطعامهم بدل من الجوع الذي تقتضيه البلاد ، وأن حالتهم في قلة العدد وكونهم أهل حضر وليسوا أهل بأس ولا فروسية ولا شكّة سلاح تقتضي أن يكونوا معرضين