الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

487

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وقال الزجاج في قوله تعالى : وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ [ المدثر : 3 ] دخلت الفاء لمعنى الشرط كأنه قيل : وما كان فلا تدع تكبيره ا ه . وهو معنى ما في « الكشاف » . وسكتا عن منشإ حصول معنى الشرط وذلك أن مثل هذا جار عند تقديم الجار والمجرور ، ونحوه من متعلقات الفعل وانظر قوله تعالى : وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ في سورة البقرة [ 40 ] ، ومنه قوله تعالى : فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا في سورة يونس [ 58 ] وقوله : فَلِذلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ في سورة الشورى [ 15 ] . وقول النبي صلى اللّه عليه وسلم للذي سأله عن الجهاد فقال له : « ألك أبوان ؟ فقال : نعم . قال : ففيهما فجاهد » . ويجوز أن تجعل اللام متعلقة بفعل ( اعجبوا ) محذوفا ينبئ عنه اللام لكثرة وقوع مجرور بها بعد مادة التعجب ، يقال : عجبا لك ، وعجبا لتلك قضية ، ومنه قول امرئ القيس : « فيا لك من ليل » لأن حرف النداء مراد به التعجب فتكون الفاء في قوله : فَلْيَعْبُدُوا تفريعا على التعجيب . وجوّز الفراء وابن إسحاق في « السيرة » أن يكون لِإِيلافِ قُرَيْشٍ متعلقا بما في سورة الفيل [ 5 ] من قوله : فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ قال القرطبي : وهو معنى قول مجاهد ورواية ابن جبير عن ابن عباس . قال الزمخشري : وهذا بمنزلة التضمين في الشعر وهو أن يتعلق معنى البيت بالذي قبله تعلقا لا يصح إلّا به ا ه . يعنون أن هذه السورة وإن كانت سورة مستقلة فهي ملحقة بسورة الفيل فكما تلحق الآية بآية نزلت قبلها ، تلحق آيات هي سورة فتتعلق بسورة نزلت قبلها . والإيلاف : مصدر أألف بهمزتين بمعنى ألف وهما لغتان ، والأصل هو ألف ، وصيغة الإفعال فيه للمبالغة لأن أصلها أن تدل على حصول الفعل من الجانبين ، فصارت تستعمل في إفادة قوة الفعل مجازا ، ثم شاع ذلك في بعض ذلك الأفعال حتى ساوى الحقيقة مثل سافر ، وعافاه اللّه ، وقاتلهم اللّه . وقرأه الجمهور في الموضعين لِإِيلافِ بياء بعد الهمزة وهي تخفيف للهمزة الثانية . وقرأ ابن عامر « لإلاف » الأول بحذف الياء التي أصلها همزة ثانية ، وقرأه إِيلافِهِمْ بإثبات الياء مثل الجمهور . وقرأ أبو جعفر « ليلاف قريش » بحذف الهمزة الأولى . وقرأ « إلافهم » بهمزة مكسورة من غير ياء . وذكر ابن عطية والقرطبي أن أبا بكر عن عاصم قرأ بتحقيق الهمزتين في « لإألاف » وفي « إألافهم » ، وذكر ابن عطية عن أبي علي الفارسي أن تحقيق الهمزتين لا وجه له .