الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
483
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
لَمْ كما تقدم في قوله تعالى : أَ لَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى * وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى في سورة الضحى [ 6 ، 7 ] ، فكأنه قيل : أليس جعل كيدهم في تضليل . والطير : اسم جمع طائر ، وهو الحيوان الذي يرتفع في الجو بعمل جناحيه . وتنكيره للنوعية لأنه نوع لم يكن معروفا عند العرب . وقد اختلف القصّاصون في صفته اختلافا خياليا . والصحيح ما روي عن عائشة : أنها أشبه شيء بالخطاطيف ، وعن غيرها أنها تشبه الوطواط . و أَبابِيلَ : جماعات . قال الفراء وأبو عبيدة : أبابيل اسم جمع لا واحد له من لفظه مثل عباديد وشماطيط وتبعهما الجوهري ، وقال الرّؤاسي والزمخشري : واحد أبابيل إبّالة مشددة الموحدة مكسورة الهمزة . ومنه قولهم في المثل : « ضغث على إبّالة » وهي الحزمة الكبيرة من الحطب . وعليه فوصف الطير بأبابيل على وجه التشبيه البليغ . وجملة تَرْمِيهِمْ حال من طَيْراً وجيء بصيغة المضارع لاستحضار الحالة بحيث تخيل للسامع كالحادثة في زمن الحال ومنه قوله تعالى : وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَسُقْناهُ إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ [ فاطر : 9 ] الآية . وحجارة : اسم جمع حجر . عن ابن عباس قال : طين في حجارة ، وعنه أن سجيل معرب سنك كل من الفارسية ، أي عن كلمة ( سنك ) وضبط بفتح السين وسكون النون وكسر الكاف اسم الحجر وكلمة ( كل ) بكسر الكاف اسم الطين ومجموع الكلمتين يراد به الآجر . وكلتا الكلمتين بالكاف الفارسية المعمّدة وهي بين مخرج الكاف ومخرج القاف ، ولذلك تكون مِنْ بيانية ، أي حجارة هي سجيل ، وقد عد السبكي كلمة سجيل في « منظومته في المعرّب الواقع في القرآن » . وقد أشار إلى أصل معناه قوله تعالى : لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ طِينٍ [ الذاريات : 33 ] مع قوله في آيات أخر حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ * فعلم أنه حجر أصله طين . وجاء نظيره في قصة قوم لوط في سورة هود [ 82 ] : وَأَمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ وفي سورة الحجر [ 74 ] : فَجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ فتعين أن تكون الحجارة التي أرسلت على أصحاب الفيل من جنس الحجارة التي أمطرت على قوم لوط ، أي ليست حجرا صخريا ولكنها طين متحجر دلالة على أنها