الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
479
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ [ البلد : 1 ، 2 ] على أحد الوجوه المتقدمة . فالرؤية يجوز أن تكون مجازية مستعارة للعلم البالغ من اليقين حد الأمر المرئي لتواتر ما فعل اللّه بأصحاب الفيل بين أهل مكة وبقاء بعض آثار ذلك يشاهدونه . وقال أبو صالح : رأيت في بيت أم هاني بنت أبي طالب نحوا من قفيزين من تلك الحجارة سودا مخططة بحمرة . وقال عتاب بن أسيد : أدركت سائس الفيل وقائده أعميين مقعدين يستطعمان الناس . وقالت عائشة : لقد رأيت قائد الفيل وسائقة أعميين يستطعمان الناس . وفعل الرؤية معلق بالاستفهام . ويجوز أن تكون الرؤية بصرية بالنسبة لمن تجاوز سنه نيفا وخمسين سنة عند نزول الآية ممن شهد حادث الفيل غلاما أو فتى مثل أبي قحافة وأبي طالب وأبي بن خلف . و كَيْفَ للاستفهام سدّ مسدّ مفعولي أو مفعول تَرَ ، أي لم تر جواب هذا الاستفهام ، كما تقول : علمت هل زيد قائم ؟ وهو نصب على الحال من فاعل تَرَ ويجوز أن يكون كَيْفَ مجردا عن معنى الاستفهام مرادا منه مجرد الكيفية فيكون نصبا على المفعول به . وإيثار كَيْفَ دون غيره من أسماء الاستفهام أو الموصول فلم يقل : ألم تر ما فعل ربك ، أو الذي فعل ربك ، للدلالة على حالة عجيبة يستحضرها من يعلم تفصيل القصة . وأوثر لفظ فَعَلَ رَبُّكَ دون غيره لأن مدلول هذا الفعل يعم أعمالا كثيرة لا يدل عليها غيره . وجيء في تعريف اللّه سبحانه بوصف ( رب ) مضافا إلى ضمير النبي صلى اللّه عليه وسلم إيماء إلى أن المقصود من التذكير بهذه القصة تكريم النبي صلى اللّه عليه وسلم إرهاصا لنبوءته إذ كان ذلك عام مولده . وأصحاب الفيل : الحبشة الذين جاءوا مكة غازين مضمرين هدم الكعبة انتقاما من العرب من أجل ما فعله أحد بني كنانة الذين كانوا أصحاب النسيء في أشهر الحج . وكان خبر ذلك وسببه أن الحبشة قد ملكوا اليمن بعد واقعة الأخدود التي عذّب فيها الملك ذو نواس النصارى ، وصار أمير الحبشة على اليمن رجلا يقال له : ( أبرهة ) وأن أبرهة بنى كنيسة عظيمة في صنعاء دعاها القليس ( بفتح القاف وكسر اللام بعد ما تحتية ساكنة ،