الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

474

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

بفتح السين وهما لغتان . ومعنى الآية : أن الذين جمعوا المال يشبه حالهم حال من يحسب أن المال يقيهم الموت ويجعلهم خالدين لأن الخلود في الدنيا أقصى متمناهم إذ لا يؤمنون بحياة أخرى خالدة . و كَلَّا إبطال لأن يكون المال مخلّدا لهم . وزجر عن التلبس بالحالة الشنيعة التي جعلتهم في حال من يحسب أن المال يخلد صاحبه ، أو إبطال للحرص في جمع المال جمعا يمنع به حقوق اللّه في المال من نفقات وزكاة . لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ وَما أَدْراكَ مَا الْحُطَمَةُ ( 5 ) نارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ ( 6 ) الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ ( 7 ) استئناف بياني ناشئ عن ما تضمنته جملة : يَحْسَبُ أَنَّ مالَهُ أَخْلَدَهُ من التهكم والإنكار ، وما أفاده حرف الزجر من معنى التوعد . والمعنى : ليهلكنّ فلينبذنّ في الحطمة . واللام جواب قسم محذوف . والضمير عائد إلى الهمزة . والنبذ : الإلقاء والطرح ، وأكثر استعماله في إلقاء ما يكره . قال صاحب « الكشاف » في قوله تعالى : فَأَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِّ [ القصص : 40 ] شبههم استحقارا لهم بحصيات أخذهن آخذ بكفه فطرحهن ا ه . والحطمة : صفة بوزن فعلة ، مثل ما تقدم في الهمزة ، أي لينبذن في شيء يحطمه ، أي يكسره ويدقه . والظاهر أن اللام لتعريف العهد لأنه اعتبر الوصف علما بالغلبة على شيء يحطم وأريد بذلك جهنم ، وأن إطلاق هذا الوصف على جهنم من مصطلحات القرآن . وليس في كلام العرب إطلاق هذا الوصف على النار . فجملة : وَما أَدْراكَ مَا الْحُطَمَةُ في موضع الحال من قوله : الْحُطَمَةِ والرابط إعادة لفظ الحطمة ، وذلك إظهار في مقام الإضمار للتهويل كقوله : الْحَاقَّةُ * مَا الْحَاقَّةُ * وَما أَدْراكَ مَا الْحَاقَّةُ [ الحاقة : 1 - 3 ] وما فيها من الاستفهام ، وفعل الدراية يفيد تهويل الحطمة ، وقد تقدم ما أَدْراكَ غير مرة منها عند قوله : وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ في