الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

453

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

فاستعمل المركب الذي يقال عند حال الهلاك وسوء المصير في الحالة المشبهة بحال الهلاك ، ورمز إلى التشبيه بذلك المركب ، كما تضرب الأمثال السائرة . ويجوز أن يكون « أمه » مستعارا لمقره ومآله لأنه يأوي إليه كما يأوي الطفل إلى أمه . و هاوِيَةٌ المكان المنخفض بين الجبلين الذي إذا سقط فيه إنسان أو دابة هلك ، يقال : سقط في الهاوية . وأريد بها جهنم ، وقيل : هي اسم لجهنم ، أي فمأواه جهنم . ويجوز أن يكون « أمه » على حذف مضاف ، أي أم رأسه ، وهي أعلى الدماغ ، و هاوِيَةٌ ساقطة من قولهم سقط على أم رأسه ، أي هلك . وَما أَدْراكَ ما هِيَهْ : تهويل كما تقدم آنفا . وضمير هِيَهْ عائد إلى هاوِيَةٌ ، فعلى الوجه الأول يكون في الضمير استخدام ، إذ معاد الضمير وصف هالكة ، والمراد منه اسم جهنم كما في قول معاوية بن مالك الملقّب معوّذ الحكماء : إذا نزل السماء بأرض قوم * رعيناه وإن كانوا غضابا وعلى الوجه الثاني يعود الضمير إلى ( هاوية ) وفسرت بأنها قعر جهنم . وعلى الوجه الثالث يكون في هِيَهْ استخدام أيضا كالوجه الأول . والهاء التي لحقت ياء ( هي ) هاء السكت ، وهي هاء تجلب لأجل تخفيف اللفظ عند الوقف عليه ، فمنه تخفيف واجب تجلب له هاء السكت لزوما ، وبعضه حسن ، وليس بلازم وذلك في كل اسم أو حرف بآخره حركة بناء دائمة مثل : هو ، وهي ، وكيف ، وثم ، وقد تقدم ذلك عند قوله تعالى : فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ في سورة الحاقة [ 19 ] . وجمهور القراء أثبتوا النطق بهذه الهاء في حالتي الوقف والوصل ، وقرأ حمزة وخلف بإثبات الهاء في الوقف وحذفها في الوصل . وجملة : نارٌ حامِيَةٌ بيان لجملة : وَما أَدْراكَ ما هِيَهْ ، والمعنى : هي نار حامية . وهذا من حذف المسند إليه الذي اتّبع في حذفه استعمال أهل اللغة .