الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

45

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

فنفي الملك نفي للاستطاعة . وقوله : مِنْهُ حال من خِطاباً وأصله صفة لخطاب فلما تقدم على موصوفه صار حالا . وحرف ( من ) اتصالية وهي ضرب من الابتدائية فهي ابتدائية مجازية كقوله تعالى : إِلَّا قَوْلَ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَما أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ [ الممتحنة : 4 ] ف ( من ) الأولى اتصالية والثانية لتوكيد النص ، ومنه قولهم : لست منك ولست مني وقوله تعالى : وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ [ آل عمران : 28 ] ، أي لا يستطيعون خطابا يبلغونه إلى اللّه . وضمير لا يَمْلِكُونَ عائد إلى ( ما ) الموصولة في قوله : وَما بَيْنَهُمَا لأنها صادقة على جميعهم . والخطاب : الكلام الموجّه لحاضر لدى المتكلم أو كالحاضر المتضمن إخبارا أو طلبا أو إنشاء مدح أو ذم . وفعل يَمْلِكُونَ يعمّ لوقوعه في سياق النفي كما تعمّ النكرة المنفية . و خِطاباً عام أيضا وكلاهما من العام المخصوص بمخصص منفصل كقوله عقب هذه الآية لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَقالَ صَواباً [ النبأ : 38 ] وقوله : يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ [ هود : 105 ] وقوله : مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ [ البقرة : 255 ] وقوله : وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى [ الأنبياء : 28 ] . والغرض من ذكر هذا إبطال اعتذار المشركين حين استشعروا شناعة عبادتهم الأصنام التي شهّر القرآن بها فقالوا : هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ [ يونس : 18 ] ، وقالوا : ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى [ الزمر : 3 ] . [ 38 ] [ سورة النبأ ( 78 ) : آية 38 ] يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَقالَ صَواباً ( 38 ) يَوْمَ متعلق بقوله : لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطاباً [ النبأ : 37 ] ، أي لا يتكلم أحد يومئذ إلّا من أذن له اللّه . وجملة لا يَتَكَلَّمُونَ مؤكدة لجملة لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطاباً أعيدت بمعناها لتقرير