الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

439

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

أغراضها ذمّ خصال تفضي بأصحابها إلى الخسران في الآخرة ، وهي خصال غالية على المشركين والمنافقين ، ويراد تحذير المسلمين منها . ووعظ الناس بأن وراءهم حسابا على أعمالهم بعد الموت ليتذكره المؤمن ويهدد به الجاحد . وأكد ذلك كله بأن افتتح بالقسم ، وأدمج في القسم التنويه بخيل الغزاة أو رواحل الحجيج . [ 1 - 8 ] [ سورة العاديات ( 100 ) : الآيات 1 إلى 8 ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ وَالْعادِياتِ ضَبْحاً ( 1 ) فَالْمُورِياتِ قَدْحاً ( 2 ) فَالْمُغِيراتِ صُبْحاً ( 3 ) فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً ( 4 ) فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً ( 5 ) إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ ( 6 ) وَإِنَّهُ عَلى ذلِكَ لَشَهِيدٌ ( 7 ) وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ ( 8 ) أقسم اللّه ب الْعادِياتِ جمع العادية ، وهو اسم فاعل من العدو وهو السير السريع يطلق على سير الخيل والإبل خاصة . وقد يوصف به سير الإنسان وأحسب أنه على التشبيه بالخيل ومنه عدّاءو العرب ، وهم أربعة : السّليك بن السّلكة ، والشّنفرى ، وتأبّط شرّا ، وعمرو بن أمية الضّمري . يضرب بهم المثل في العدو . وتأنيث هذا الوصف هنا لأنه من صفات ما لا يعقل . والضّبح : اضطراب النفس المتردد في الحنجرة دون أن يخرج من الفم وهو من أصوات الخيل والسباع . وعن عطاء : سمعت ابن عباس يصف الضبح أح أح . وعن ابن عباس ليس شيء من الدواب يضبح غير الفرس والكلب والثعلب ، وهذا قول أهل اللغة واقتصر عليه في « القاموس » . روى ابن جرير بسنده إلى ابن عباس قال : « بينما أنا جالس في الحجر جاءني رجل فسألني عن الْعادِياتِ ضَبْحاً فقلت له : الخيل حين تغير في سبيل اللّه ثم تأوي إلى الليل فيصنعون طعامهم ويورون نارهم ، فانفتل عني فذهب إلى علي بن أبي طالب وهو تحت سقاية زمزم فسأله عنها ، فقال : سألت عنها أحدا قبلي ؟ قال : نعم ، سألت ابن عباس فقال : الخيل تغزو في سبيل اللّه ، قال : اذهب فادعه لي ، فلما وقفت عند رأسه . قال : تفتي الناس بما لا علم لك به واللّه لكانت أول غزوة في الإسلام لبدر وما كان معنا إلا فرسان فرس للزبير وفرس للمقداد فكيف تكون