الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
435
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وعدي فعل أَوْحى باللام لتضمين أَوْحى معنى قال كقوله تعالى : فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً [ فصلت : 11 ] ، وإلا فإن حق أَوْحى أن يتعدى بحرف ( إلى ) . والقول المضمّن هو قول التكوين قال تعالى : إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [ النحل : 40 ] . وإنما عدل عن فعل : قال لها إلى فعل أَوْحى لَها لأنه حكاية عن تكوين لا عن قول لفظي . وقوله : يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتاتاً بدل من جملة : يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها والجواب هو فعل يَصْدُرُ النَّاسُ وقوله : يَوْمَئِذٍ يتعلق به ، وقدم على متعلقه للاهتمام . وهذا الجواب هو المقصود من الكلام لأن الكلام مسوق لإثبات الحشر والتذكير به والتحذير من أهواله فإنه عند حصوله يعلم الناس أن الزلزال كان إنذارا بهذا الحشر . وحقيقة يَصْدُرُ النَّاسُ الخروج من محل اجتماعهم ، يقال : صدر عن المكان ، إذا تركه وخرج منه صدورا وصدرا بالتحريك . ومنه الصدر عن الماء بعد الورد ، فأطلق هنا فعل يَصْدُرُ على خروج الناس إلى الحشر جماعات ، أو انصرافهم من المحشر إلى مآويهم من الجنة أو النار ، تشبيها بانصراف الناس عن الماء بعد الورد . وأشتات : جمع شتّ بفتح الشين وتشديد الفوقية وهو المتفرق ، والمراد : يصدرون متفرقين جماعات كل إلى جهة بحسب أعمالهم وما عيّن لهم من منازلهم . وأشير إلى أن تفرقهم على حسب تناسب كل جماعة في أعمالها من مراتب الخير ومنازل الشر بقوله : لِيُرَوْا أَعْمالَهُمْ ، أي يصدرون لأجل تلقي جزاء الأعمال التي عملوها في الحياة الدنيا فيقال لكل جماعة : انظروا أعمالكم ، أو انظروا مآلكم . وبني فعل لِيُرَوْا إلى النائب لأن المقصود رؤيتهم أعمالهم لا تعيين من يريهم إياها . وقد أجمع القراء على ضم التحتية . فالرؤية مستعملة في رؤية البصر والمرئي هو منازل الجزاء ، ويجوز أن تكون الرؤية مستعملة في العلم بجزاء الأعمال فإن الأعمال لا ترى ولكن يظهر لأهلها جزاؤها .