الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

433

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

فالمعنى : إذا زلزلت الأرض زلزالا . وأضيف زِلْزالَها إلى ضمير الأرض لإفادة تمكّنه منها وتكرره حتى كأنه عرف بنسبته إليها لكثرة اتصاله بها كقول النابغة : أسائلتي سفاهتها وجهلا * على الهجران أخت بني شهاب أي سفاهة لها ، أي هي معروفة بها ، وقول أبي خالد القناني : واللّه أسماك سمى مباركا * آثرك اللّه به إيثاركا يريد إيثارا عرفت به واختصصت به . وفي كتب السيرة أن من كلام خطر بن مالك الكاهن يذكر شيطانه حين رجم « بلبله بلباله » أي بلبال متمكن منه . وإعادة لفظ الأرض في قوله : وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها إظهار في مقام الإضمار لقصد التهويل . والأثقال : جمع ثقل بكسر المثلثة وسكون القاف وهو المتاع الثقيل ، ويطلق على المتاع النفيس . وإخراج الأرض أثقالها ناشئ عن انشقاق سطحها فتقذف ما فيها من معادن ومياه وصخر . وذلك من تكرر الانفجارات الناشئة عن اضطراب داخل طبقاتها وانقلاب أعاليها أسافل والعكس . والتعريف في الْإِنْسانُ تعريف الجنس المفيد للاستغراق ، أي وقال الناس ما لها ، أي الناس الذين هم أحياء ففزعوا وقال بعضهم لبعض ، أو قال كل أحد في نفسه حتى استوى في ذلك الجبان والشجاع ، والطائش والحكيم ، لأنه زلزال تجاوز الحدّ الذي يصبر على مثله الصّبور . وقول : ما لَها استفهام عن الشيء الذي ثبت للأرض ولزمها لأن اللام تفيد الاختصاص ، أي ما للأرض في هذا الزلزال ، أو ما لها زلزلت هذا الزلزال ، أي ما ذا ستكون عاقبته . نزلت الأرض منزلة قاصد مريد يتساءل الناس عن قصده من فعله حيث لم يتبين غرضه منه ، وإنما يقع مثل هذا الاستفهام غالبا مردفا بما يتعلق بالاستقرار الذي في الخبر مثل أن يقال : ما له يفعل كذا ، أو ما له في فعل كذا ، أو ما له وفلانا ، أي معه ، فلذلك وجب أن يكون هنا مقدّر ، أي ما لها زلزلت ، أو ما لها في هذا الزلزال ، أو ما لها