الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
415
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
ظاهر استعماله وسلكوا طريقة صرف بعض كلماته عن ظاهر معانيها وهؤلاء منهم من تأول لفظ مُنْفَكِّينَ ومنهم من تأول معنى حَتَّى ومنهم من تأول رَسُولٌ ، وبعضهم جوز في الْبَيِّنَةُ وجهين . وقد تعددت أقوال المفسرين فبلغت بضعة عشر قولا ذكر الآلوسي أكثرها وذكر القرطبي معظمها غير معزو ، وتداخل بعض ما ذكره الآلوسي وزاد أحدهما ما لم يذكره الآخر . ومراجع تأويل الآية تؤول إلى خمسة . الأول : تأويل الجملة بأسرها بأن يؤوّل الخبر إلى معنى التوبيخ والتعجيب ، وإلى هذا ذهب الفراء ونفطويه والزمخشري . الثاني : تأويل معنى مُنْفَكِّينَ بمعنى الخروج عن إمهال اللّه إياهم ومصيرهم إلى مؤاخذتهم ، وهو لابن عطية . الثالث : تأويل متعلّق مُنْفَكِّينَ بأنه عن الكفر وهو لعبد الجبّار ، أو عن الاتفاق على الكفر وهو للفخر وأبي حيّان . أو منفكين عن الشهادة للرسول صلى اللّه عليه وسلم بالصدق قبل بعثته وهو لابن كيسان عبد الرحمن الملقب بالأصم ، أو منفكين عن الحياة ، أي هالكين ، وعزي إلى بعض اللغويين . الرابع : تأويل حَتَّى أنها بمعنى ( إن ) الاتصالية . والتقدير : وإن جاءتهم البينة . الخامس : تأويل رَسُولٌ بأنه رسول من الملائكة يتلو عليهم صحفا من عند اللّه فهو في معنى قوله تعالى : يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ [ النساء : 153 ] وعزاه الفخر إلى أبي مسلم وهو يقتضي صرف الخبر إلى التهكم . هذا والمراد ب الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أنهم كفروا برسالة محمد صلى اللّه عليه وسلم مثل ما في قوله تعالى : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ [ الحشر : 11 ] . وأنت لا يعوزك إرجاع أقوال المفسرين إلى هذه المعاقد فلا نحتاج إلى التطويل بذكرها فدونك فراجعها إن شئت ، فبنا أن نهتم بتفسير الآية على الوجه البين . إن هذه الآيات وردت مورد إقامة الحجة على الذين لم يؤمنوا من أهل الكتاب وعلى