الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
41
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وقوله : لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا كِذَّاباً يجوز أن يكون الضمير المجرور عائدا إلى الكأس ، فتكون ( في ) للظرفية المجازية بتشبيه تناول الندامى للشراب من الكأس بحلولهم في الكأس على طريق المكنية ، وحرف ( في ) تخييل أو تكون ( في ) للتعليل كما في الحديث : « دخلت امرأة النار في هرة » الحديث ، أي من أجل هرة . والمعنى : لا يسمعون لغوا ولا كذّابا منها أو عندها ، فتكون الجملة صفة ثانية ل « كأسا » . والمقصود منها أن خمر الجنة سليمة مما تسببه خمر الدنيا من آثار العربدة من هذيان ، وكذب وسباب ، واللغو والكذب من العيوب التي تعرض لمن تدب الخمر في رؤوسهم ، أي فأهل الجنة ينعمون بلذة السكر المعروفة في الدنيا قبل تحريم الخمر ولا تأتي الخمر على كمالاتهم النفسية كما تأتي عليها خمر الدنيا . وكان العرب يمدحون من يمسك نفسه عن اللغو ونحوه في شرب الخمر ، قال عمارة بن الوليد : ولسنا بشرب أم عمرو إذا انتشوا * ثياب الندامى بينهم كالغنائم ولكننا يا أم عمرو نديمنا * بمنزلة الريّان ليس بعائم وكان قيس بن عاصم المنقري ممن حرم الخمر على نفسه في الجاهلية وقال : فإن الخمر تفضح شاربيها * وتجنيهم بها الأمر العظيما ويجوز أن يعود ضمير فِيها إلى مَفازاً باعتبار تأويله بالجنة لوقوعه في مقابلة جَهَنَّمَ من قوله : إِنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصاداً [ النبأ : 21 ] أو لأنه أبدل حَدائِقَ من مَفازاً وهذا المعنى نشأ عن أسلوب نظم الكلام حيث قدم حَدائِقَ وَأَعْناباً إلخ ، وأخّر وَكَأْساً دِهاقاً حتى إذا جاء ضمير ( فيها ) بعد ذلك جاز إرجاعه إلى الكأس وإلى المفاز كما علمت . وهذا من بديع الإيجاز مع وفرة المعاني مما عددناه من وجوه الإعجاز من جانب الأسلوب في المقدمة العاشرة من هذا التفسير ، أي لا يسمعون في الجنة الكلام السافل ولا الكذب ، فلما أحاط بأهل جهنم أشدّ الأذى بجميع حواسهم من جراء حرق النار وسقيهم الحميم والغساق لينال العذاب بواطنهم كما نال ظاهر أجسادهم ، كذلك نفى عن أهل الجنة أقل الأذى وهو أذى سماع ما يكرهه الناس فإن ذلك أقل الأذى . وكني عن انتفاء اللغو والكذّاب عن شاربي خمر الجنة بأنهم لا يسمعون اللغو والكذاب فيها لأنه لو كان فيها لغو وكذب لسمعوه وهذا من باب قول امرئ القيس :