الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
405
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
تعالى : يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ [ البقرة : 96 ] وإنما جعل تمييز عدد الكثرة هنا بالشهر للرعي على الفاصلة التي هي بحرف الراء . وفي « الموطأ » : « قال مالك إنه سمع من يثق به من أهل العلم يقول : إن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أري أعمار الناس قبله أو ما شاء اللّه من ذلك فكأنه تقاصر أعمار أمته أن لا يبلغوا من العمل مثل ما بلغ غيرهم في طول العمر فأعطاه اللّه لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ا ه . وإظهار لفظ لَيْلَةُ الْقَدْرِ في مقام الإضمار للاهتمام ، وقد تكرر هذا اللفظ ثلاث مرات والمرات الثلاث ينتهي عندها التكرير غالبا كقوله تعالى : وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتابِ وَما هُوَ مِنَ الْكِتابِ [ آل عمران : 78 ] . وقول عديّ : لا أرى الموت يسبق الموت شيء * نغّص الموت ذا الغنى والفقيرا ومما ينبغي التنبه له ما وقع في « جامع الترمذي » بسنده إلى القاسم بن الفضل الحدّاني عن يوسف بن سعد قال : « قام رجل إلى الحسن بن علي بعد ما بايع معاوية فقال : سوّدت وجوه المؤمنين ، أو يا مسوّد وجوه المؤمنين فقال : لا تؤنبني رحمك اللّه فإن النبي صلى اللّه عليه وسلم أري بني أمية على منبره فساءه ذلك فنزلت : إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ [ الكوثر : 1 ] يا محمّد يعني نهرا في الجنة ، ونزلت : إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ [ القدر : 1 - 3 ] يملكها بنو أمية يا محمد قال القاسم : فعددناها فإذا هي ألف شهر لا يزيد يوم ولا ينقص » . قال أبو عيسى الترمذي ، هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه . وقد قيل عن القاسم بن الفضل عن يوسف بن مازن نعرفه والقاسم بن الفضل ثقة ويوسف بن سعد رجل مجهول ا ه . قال ابن كثير في « تفسيره » ورواه ابن جرير من طريق القاسم بن الفضل عن عيسى بن مازن كذا قال ، وعيسى بن مازن غير معروف ، وهذا يقتضي اضطرابا في هذا الحديث ، أي لاضطرابهم في الذي يروي عنه القاسم بن الفضل ، وعلى كل احتمال فهو مجهول . وأقول : وأيضا ليس في سنده ما يفيد أن يوسف بن سعد سمع ذلك من الحسن رضي اللّه عنه . وفي « تفسير الطبري » عن عيسى بن مازن أنه قال : قلت للحسن : يا مسود وجوه المؤمنين إلى آخر الحديث . وعيسى بن مازن غير معروف أصلا فإذا فرضنا توثيق يوسف بن سعد فليس في روايته ما يقتضي أنه سمعه بل يجوز أن يكون أراد ذكر قصة