الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

394

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

الرُّجْعى مستعملا في مجازه ، وهو الاحتياج إلى المرجوع إليه ، وتأكيد الخبر ب ( إن ) مراعى فيه المعنى التعريضي لأن معظم الطغاة ينسون هذه الحقيقة بحيث ينزّلون منزلة من ينكرها . و الرُّجْعى : بضم الراء مصدر رجع على زنة فعلى مثل البشرى . وتقديم إِلى رَبِّكَ على الرُّجْعى للاهتمام بذلك . وجملة : أَ رَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى * عَبْداً إِذا صَلَّى إلى آخرها هي المقصود من الردع الذي أفاده حرف كَلَّا ، فهذه الجملة مستأنفة استئنافا ابتدائيا متصلا باستئناف جملة : إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى و الَّذِي يَنْهى اتفقوا على أنه أريد به أبو جهل إذ قال قولا يريد به نهي النبي صلى اللّه عليه وسلم أن يصلي في المسجد الحرام فقال في ناديه : لئن رأيت محمدا يصلي في الكعبة لأطأنّ على عنقه . فإنه أراد بقوله ذلك أن يبلغ إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم فهو تهديد يتضمن النهي عن أن يصلي في المسجد الحرام ولم يرو أنه نهاه مشافهة . و أَ رَأَيْتَ كلمة تعجيب من حال ، تقال للذي يعلم أنه رأى حالا عجيبة . والرؤية علمية ، أي أعلمت الذي ينهى عبدا والمستفهم عنه هو ذلك العلم ، والمفعول الثاني ل « رأيت » محذوف دل عليه قوله في آخر الجمل أَ لَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى [ العلق : 14 ] . والاستفهام مستعمل في التعجيب لأن الحالة العجيبة من شأنها أن يستفهم عن وقوعها استفهام تحقيق وتثبيت لنبئها إذ لا يكاد يصدق به ، فاستعمال الاستفهام في التعجيب مجاز مرسل في التركيب . ومجيء الاستفهام في التعجيب كثير نحو هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ [ الغاشية : 1 ] . والرؤية علمية ، والمعنى : أعجب ما حصل لك من العلم قال الذي ينهى عبدا إذا صلى . ويجوز أن تكون الرؤية بصرية لأنها حكاية أمر وقع في الخارج والخطاب في أَ رَأَيْتَ لغير معيّن . والمراد بالعبد النبي صلى اللّه عليه وسلم . وإطلاق العبد هنا على معنى الواحد من عباد اللّه أيّ شخص كما في قوله تعالى : بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ [ الإسراء : 5 ] ، أي رجالا . وعدل عن التعبير عنه بضمير الخطاب لأن التعجيب من نفس النهي عن الصلاة بقطع النظر عن خصوصية المصلّي . فشموله لنهيه عن صلاة النبي صلى اللّه عليه وسلم أوقع ، وصيغة