الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
389
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
خطر ببال النبي صلى اللّه عليه وسلم من تعذر القراءة عليه لأنه لا يعلم الكتابة فكيف القراءة إذ قال للملك : « ما أنا بقارئ » ثلاث مرات ، لأن قوله : « ما أنا بقارئ » اعتذار عن تعذر امتثال أمره بقوله : اقْرَأْ ؛ فالمعنى أن الذي علّم الناس الكتابة بالقلم والقراءة قادر على أن يعلمك القراءة وأنت لا تعلم الكتابة . والقلم : شظيّة من قصب ترقق وتثقّف وتبرى بالسكين لتكون ملساء بين الأصابع ويجعل طرفها مشقوقا شقا في طول نصف الأنملة ، فإذا بلّ ذلك الطرف بسائل المداد يخط به على الورق وشبهه ، وقد تقدم عند قوله تعالى : إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ في سورة آل عمران [ 44 ] . وجملة : عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ خبر عن قوله : وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ وما بينهما اعتراض . وتعريف الْإِنْسانَ يجوز أن يكون تعريف الجنس فيكون ارتقاء في الإعلام بما قدره اللّه تعالى من تعليم الإنسان بتعميم التعليم بعد تخصيص التعليم بالقلم . وقد حصلت من ذكر التعليم بالقلم والتعليم الأعم إشارة إلى ما يتلقاه الإنسان من التعاليم سواء كان بالدرس أم بمطالعة الكتب وأن تحصيل العلوم يعتمد أمورا ثلاثة : أحدها : الأخذ عن الغير بالمراجعة ، والمطالعة ، وطريقهما الكتابة وقراءة الكتب فإن بالكتابة أمكن للأمم تدوين آراء علماء البشر ونقلها إلى الأقطار النائية وفي الأجيال الجائية . والثاني : التلقي من الأفواه بالدرس والإملاء . والثالث : ما تنقدح به العقول من المستنبطات والمخترعات . وهذان داخلان تحت قوله تعالى : عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ وفي ذلك اطمئنان لنفس النبي صلى اللّه عليه وسلم بأن عدم معرفته الكتابة لا يحول دون قراءته لأن اللّه علّم الإنسان ما لم يعلم ، فالذي علّم القراءة لأصحاب المعرفة بالكتابة قادر على أن يعلمك القراءة دون سبق معرفة بالكتابة . وأشعر قوله : ما لَمْ يَعْلَمْ أن العلم مسبوق بالجهل فكل علم يحصل فهو علم ما لم يكن يعلم من قبل ، أي فلا يؤيسنّك من أن تصير عالما بالقرآن والشريعة أنك لا تعرف