الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
378
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
مفعولا ثانيا ل رَدَدْناهُ لأنه أجري مجرى أخوات صار . والمعنى : أن الإنسان أخذ يغير ما فطر عليه من التقويم وهو الإيمان بإله واحد وما يقتضيه ذلك من تقواه ومراقبته فصار أسفل سافلين ، وهل أسفل ممن يعتقد إلهية الحجارة والحيوان الأبكم من بقر أو تماسيح أو ثعابين أو من شجر السّمر ، أو من يحسب الزمان إلها ويسميه الدهر ، أو من يجحد وجود الصانع وهو يشاهد مصنوعاته ويحس بوجود نفسه قال تعالى : وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَ فَلا تُبْصِرُونَ [ الذاريات : 21 ] . فإن ملت إلى جانب الأخلاق رأيت الإنسان يبلغ به انحطاطه إلى حضيض التسفل ، فمن ملق إذا طمع ، ومن شحّ إذا شجع ، ومن جزع إذا خاف ، ومن هلع ، فكم من نفوس جعلت قرابين للآلهة ، ومن أطفال موءودة ، ومن أزواج مقذوفة في النار مع الأموات من أزواجهن ، فهل بعد مثل هذا من تسفل في الأخلاق وأفن الرأي . وإسناد الرد إلى اللّه تعالى إسناد مجازي لأنه يكوّن الأسباب العالية ونظام تفاعلها وتقابلها في الأسباب الفرعية ، حتى تصل إلى الأسباب المباشرة على نحو إسناد مدّ وقبض الظل إليه تعالى في قوله : أَ لَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ إلى قوله : ثُمَّ قَبَضْناهُ إِلَيْنا قَبْضاً يَسِيراً [ الفرقان : 45 ، 46 ] وعلى نحو الإسناد في قول الناس : بنى الأمير مدينة كذا . ويجوز أن يكون أَسْفَلَ سافِلِينَ ظرفا ، أي مكانا أسفل ما يسكنه السافلون ، فإضافة أَسْفَلَ إلى سافِلِينَ من إضافة الظرف إلى الحالّ فيه ، وينتصب أَسْفَلَ ب رَدَدْناهُ انتصاب الظرف أو على نزع الخافض ، أي إلى أسفل سافلين ، وذلك هو دار العذاب كقوله : إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ [ النساء : 145 ] فالرد مستعار لمعنى الجعل في مكان يستحقه ، وإسناد الرد إلى اللّه تعالى على هذا الوجه حقيقي . وأحسب أن قوله تعالى : ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ انتزع منه مالك رحمه اللّه ما ذكره عياض في « المدارك » قال : قال ابن أبي أويس : قال مالك : أقبل عليّ يوما ربيعة فقال لي : من السّفلة يا مالك ؟ قلت : الذي يأكل بدينه ، قال لي : فمن سفلة السفلة ؟ قلت : الذي يأكل غيره بدينه . فقال : ( زه ) « 1 » وصدرني ( أي ضرب على صدري يعني استحسانا ) . وأنّ المشركين كانوا أسفل سافلين لأنهم ضلّلهم كبراؤهم وأئمتهم فسوّلوا لهم
--> ( 1 ) ( زه ) بكسر الزاي وهاء ساكنة كلمة تدل على شدة الاستحسان وهي معربة عن الفارسية ، ومنها تحت لفظ الزهرة . أي الاستحسان لأن ( زه ) تقال مكررة غالبا .