الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

374

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وأوجد الأصول الأولى في بدء الخليقة كما قال تعالى : لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ ص : 75 ] وخلق أسباب تولد الفروع من الأصول فتناسب منها ذرياتهم كما قال : وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ [ الأعراف : 11 ] . وتعريف الْإِنْسانَ يجوز أن يكون تعريف الجنس ، وهو التعريف الملحوظ فيه مجموع الماهية مع وجودها في الخارج في ضمن بعض أفرادها أو جميع أفرادها . ويحمل على معنى : خلقنا جميع الناس في أحسن تقويم . ويجوز أن يكون تعريف الْإِنْسانَ تعريف الحقيقة نحو قولهم : الرجل خير من المرأة ، وقول امرئ القيس : الحرب أول ما تكون فتية فلا يلاحظ فيه أفراد الجنس بل الملحوظ حالة الماهية في أصلها دون ما يعرض لأفرادها مما يغير بعض خصائصها . ومنه التعريف الواقع في قوله تعالى : إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً ، وقد تقدم في سورة المعارج [ 19 ] . والتقويم : جعل الشيء في قوام ( بفتح القاف ) ، أي عدل وتسوية ، وحسن التقويم أكمله وأليقه بنوع الإنسان ، أي أحسن تقويم له ، وهذا يقتضي أنه تقويم خاص بالإنسان لا يشاركه فيه غيره من المخلوقات ، ويتضح ذلك في تعديل القوى الظاهرة والباطنة بحيث لا تكون إحدى قواه موقعة له فيما يفسده ، ولا يعوق بعض قواه البعض الآخر عن أداء وظيفته فإن غيره من جنسه كان دونه في التقويم . وحرف فِي يفيد الظرفية المجازية المستعارة لمعنى التمكن والملك فهي مستعملة في معنى باء الملابسة أو لام الملك ، وإنما عدل عن أحد الحرفين الحقيقيين لهذا المعنى إلى حرف الظرفية لإفادة قوة الملابسة أو قوة الملك مع الإيجاز ولولا الإيجاز لكانت مساواة الكلام أن يقال : لقد خلقنا الإنسان بتقويم مكين هو أحسن تقويم . فأفادت الآية أن اللّه كوّن الإنسان تكوينا ذاتيا متناسبا ما خلق له نوعه من الإعداد لنظامه وحضارته ، وليس تقويم صورة الإنسان الظاهرة هو المعتبر عند اللّه تعالى ولا جديرا بأن يقسم عليه إذ لا أثر له في إصلاح النفس ، وإصلاح الغير ، والإصلاح في الأرض ، ولأنه لو كان هو المراد لذهبت المناسبة التي في القسم بالتين والزيتون وطور سينين والبلد الأمين . وإنما هو متمّم لتقويم النفس قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « إن اللّه لا ينظر إلى أجسادكم ولا