الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

372

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وسمي بالتين موضع جاء في شعر النابغة يصف سحابات بقوله : صهب الظّلال أتين في عرض * يزجين غيما قليلا ماؤه شبما والزيتون يطلق على الجبل الذي بني عليه المسجد الأقصى لأنه ينبت الزيتون . وروي هذا عن ابن عباس والضحاك وعبد الرحمن بن زيد وقتادة وعكرمة ومحمد بن كعب القرظي . ويجوز عندي أن يكون القسم ب التِّينِ وَالزَّيْتُونِ معنيا بهما شجر هاتين الثمرتين ، أي اكتسب نوعاهما شرفا من بين الأشجار يكون كثير منه نابتا في هذين المكانين المقدسين كما قال جرير : أتذكر حين تصقل عارضيها * بفرع بشامة سقي البشام « 1 » فدعا لنوع البشام بالسّقي لأجل عود بشامة الحبيبة . وأما طُورِ سِينِينَ فهو الجبل المعروف ب « طور سينا » . والطور : الجبل بلغة النبط وهم الكنعانيون ، وعرف هذا الجبل ب طُورِ سِينِينَ لوقوعه في صحراء « سينين » ، و « سينين » لغة في سين وهي صحراء بين مصر وبلاد فلسطين . وقيل : سينين اسم الأشجار بالنبطية أو بالحبشية ، وقيل : معناه الحسن بلغة الحبشة . وقد جاء تعريبه في العربية على صيغة تشبه صيغة جمع المذكر السالم وليس بجمع ، مجاز في إعرابه أن يعرب مثل إعراب جمع المذكر بالواو نيابة عن الضمة ، أو الياء نيابة عن الفتحة أو الكسرة ، وأن يحكى على الياء مع تحريك نونه بحركات الإعراب مثل : صفّين ويبرين وقد تقدم عند قوله تعالى : وَالطُّورِ * وَكِتابٍ مَسْطُورٍ [ الطور : 1 ، 2 ] . و الْبَلَدِ الْأَمِينِ : مكة ، سمي الأمين لأن من دخله كان آمنا ، فالأمين فعيل بمعنى مفعل مثل : « الداعي السميع » في بيت عمرو بن معديكرب ، ويجوز أن يكون بمعنى مفعول على وجه الإسناد المجازي ، أي المأمون ساكنوه قال تعالى : وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ [ قريش : 4 ] . والإشارة إليه للتعظيم ولأن نزول السورة في ذلك البلد فهو حاضر بمرأى ومسمع من المخاطبين نظير قوله : لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ [ البلد : 1 ] . وعلى ما تقدم ذكره من المحملين الثانيين للتين والزيتون تتم المناسبة بين الأيمان

--> ( 1 ) وفي رواية التبريزي في « شرح الحماسة » : أتنسى إذ توعدنا سليمى بعود . . . إلخ ص 50 ج 1 .