الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

369

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

بسير السائر إلى من عنده حاجته كما قال تعالى عن إبراهيم : وَقالَ إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي [ الصافات : 99 ] . وتقديم إلى رَبِّكَ على فَارْغَبْ لإفادة الاختصاص ، أي إليه لا إلى غيره تكون رغبتك فإن صفة الرسالة أعظم صفات الخلق فلا يليق بصاحبها أن يرغب غير اللّه تعالى . وحذف مفعول « ارغب » ليعم كل ما يرغبه النبي صلى اللّه عليه وسلم وهل يرغب النبي إلا في الكمال النفساني وانتشار الدين ونصر المسلمين . واعلم أن الفاء في قوله : فَانْصَبْ [ الشرح : 7 ] وقوله : فَارْغَبْ رابطة للفعل لأن تقديم المعمول يتضمن معنى الاشتراط والتقييد فإن تقديم المعمول لما أفاد الاختصاص نشأ منه معنى الاشتراط ، وهو كثير في الكلام قال تعالى : بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ [ الزمر : 66 ] وقال : وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ [ المدثر : 3 - 5 ] ، وفي تقديم المجرور قال تعالى : وَفِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ [ المطففين : 26 ] وقال النبي صلى اللّه عليه وسلم لمن سأل منه أن يخرج للجهاد : « ألك أبوان ؟ قال : نعم : فقال ففيهما فجاهد » . بل قد يعامل معاملة الشرط في الإعراب كما روي قول النبي صلى اللّه عليه وسلم : « كما تكونوا يولّ عليكم » بجزم الفعلين ، وقد تقدم ذلك عند قوله تعالى : فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا في سورة يونس [ 58 ] . وذكر الطيبي عن « أمالي السيد » ( يعني ابن الشجري ) أن اجتماع الفاء والواو هنا من أعجب كلامهم لأن الفاء تعطف أو تدخل في الجواب وما أشبه الجواب بالاسم الناقص ، أو في صلة الموصول الفعلية ( لشبهها بالجواب ) ، وهي هنا خارجة عما وضعت له ا ه . ولا يبقى تعجب بعد ما قررناه .