الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
361
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
إشارة إلى مرويات في شق صدره صلى اللّه عليه وسلم شقّا قدسيا ، وهو المروي بعض خبره في « الصحيحين » ، والمروي مطولا في السيرة والمسانيد ، فوقع بعض الروايات في « الصحيحين » أنه كان في رؤيا النوم ورؤيا الأنبياء وحي ، وفي بعضها أنه كان يقظة وهو ظاهر ما في « البخاري » ، وفي « صحيح مسلم » أنه يقظة وبمرأى من غلمان أترابه ، وفي حديث مسلم عن أنس بن مالك أنه قال : رأيت أثر الشق في جلد صدر النبي صلى اللّه عليه وسلم ، و في بعض الروايات أن النبي صلى اللّه عليه وسلم كان بين النائم واليقظان ، والروايات مختلفة في زمانه ومكانه مع اتفاقها على أنه كان بمكة . واختلاف الروايات حمل بعض أهل العلم على القول بأن شق صدره الشريف تكرر مرتين إلى أربع ، منها حين كان عند حليمة . وفي حديث عبد اللّه بن أحمد بن حنبل أن الشق كان وعمر النبي صلى اللّه عليه وسلم عشر سنين . والذي في « الصحيح » عن أبي ذر أنه كان عند المعراج به إلى السماء ، ولعل بعضها كان رؤيا وبعضها حسا . وليس في شيء من هذه الأخبار على اختلاف مراتبها ما يدل على أنه الشرح المراد في الآية ، وإذ قد كان ذاك الشق معجزة خارقة للعادة يجوز أن يكون مرادا وهو ما نحاه أبو بكر بن العربي في « الأحكام » ، وعليه يكون الصدر قد أطلق على حقيقته وهو الباطن الحاوي للقلب . ومن العلماء فسر الصدر بالقلب حكاه عياض في « الشفا » ، يشير إلى ما جاء في خبر شق الصدر من إخراج قلبه وإزالة مقر الوسوسة منه ، وكلا المعنيين للشرح يفيد أنه إيقاع معنى عظيم لنفس النبي صلى اللّه عليه وسلم إمّا مباشرة وإما باعتبار مغزاه كما لا يخفى . واللام في قوله : لَكَ لام التعليل ، وهو يفيد تكريما للنبي صلى اللّه عليه وسلم بأن اللّه فعل ذلك لأجله . وفي ذكر الجار والمجرور قبل ذكر المشروح سلوك طريقة الإبهام للتشويق فإنه لما ذكر فعل نَشْرَحْ علم السامع أن ثمّ مشروحا ، فلما وقع قوله : لَكَ قوي الإبهام فازداد التشويق ، لأن لَكَ يفيد معنى شيئا لأجلك فلما وقع بعده قوله : « صدره » تعين المشروح المترقّب فتمكن في الذهن كمال تمكن ، وهذا ما أشار إليه في « الكشاف » وقفّي عليه صاحب « المفتاح » في مبحث الإطناب . والوزر : الحرج ، ووضعه : حطّه عن حامله ، والكلام تمثيل لحال إزالة الشدائد والكروب بحال من يحط ثقلا عن حامله ليريحه من عناء الثقل . والمعنى : أن اللّه أزال عنه كل ما كان يتحرج منه من عادات أهل الجاهلية التي لا