الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

336

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

[ الليل : 11 ] . والسّعي حقيقته : المشي القوي الحثيث ، وهو مستعار هنا للعمل والكدّ . وشتّى : جمع شتيت على وزن فعلى مثل قتيل وقتلى ، مشتق من الشتّ وهو التفرق الشديد يقال : شتّ جمعهم ، إذا تفرقوا ، وأريد به هنا التنوع والاختلاف في الأحوال كما في قول تأبط شرّا : قليل التشكي للملم يصيبه * كثير الهوى شتّى النّوى والمسالك وهو استعارة أو كناية عن الأعمال المتخالفة لأن التفرق يلزمه الاختلاف . والخطاب في قوله : إِنَّ سَعْيَكُمْ لجميع الناس من مؤمن وكافر . واعلم أنه قد روي في « الصحيحين » عن علقمة قال : « دخلت في نفر من أصحاب عبد اللّه ( يعني ابن مسعود ) الشام فسمع بنا أبو الدرداء فأتانا فقال : أيكم يقرأ على قراءة عبد اللّه ؟ فقلت : أنا . قال : كيف سمعته يقرأ ؟ وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى قال سمعته يقرأ : « والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى والذكر والأنثى » قال : أشهد أني سمعت النبي صلى اللّه عليه وسلم يقرأ هكذا » . وسماها في « الكشاف » : قراءة النبي صلى اللّه عليه وسلم ، أي ثبت أنه قرأ بها ، وتأويل ذلك : أنه أقرأها أبا الدرداء أيام كان القرآن مرخّصا فيه أن يقرأ على بعض اختلاف ، ثم نسخ ذلك الترخيص بما قرأ به النبي صلى اللّه عليه وسلم في آخر حياته وهو الذي اتفق عليه قراء القرآن . وكتب في المصحف في زمن أبي بكر رضي اللّه عنه ، وقد بينت في المقدمة السادسة من مقدمات هذا التفسير معنى قولهم : قراءة النبي صلى اللّه عليه وسلم . [ 5 - 11 ] [ سورة الليل ( 92 ) : الآيات 5 إلى 11 ] فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى ( 5 ) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى ( 6 ) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى ( 7 ) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى ( 8 ) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى ( 9 ) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى ( 10 ) وَما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إِذا تَرَدَّى ( 11 ) فَأَمَّا تفريع وتفصيل للإجمال في قوله : إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى [ الليل : 4 ] فحرف ( أمّا ) يفيد الشرط والتفصيل وهو يتضمن أداة شرط وفعل شرط لأنه بمعنى : مهما يكن من شيء ، والتفصيل : التفكيك بين متعدد اشتركت آحاده في حالة وانفرد بعضها عن بعض بحالة هي التي يعتنى بتمييزها . وقد تقدم تحقيقه عند قوله تعالى : فَأَمَّا الْإِنْسانُ إِذا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ في سورة الفجر [ 15 ] . والمحتاج للتفصيل هنا هو السعي المذكور ، ولكن جعل التفصيل ببيان الساعين