الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

325

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

والغاشي في الحقيقة هو تكوير الأرض ودورانها تجاه مظهر الشمس وهي الدورة اليومية ، وقيل : ضمير المؤنث في يَغْشاها عائد إلى الأرض على نحو ما قيل في وَالنَّهارِ إِذا جَلَّاها و إِذا في قوله : إِذا تَلاها وقوله : إِذا جَلَّاها وقوله : إِذا يَغْشاها في محل نصب على الظرفية متعلقة بكون هو حال من القمر ومن النهار ومن الليل فهو ظرف مستقر ، أي مقسما بكل واحد من هذه الثلاثة في الحالة الدالة على أعظم أحواله وأشدها دلالة على عظيم صنع اللّه تعالى . وبناء السماء تشبيه لرفعها فوق الأرض بالبناء . والسماء آفاق الكواكب قال تعالى : لَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرائِقَ [ المؤمنون : 17 ] وتقييد القسم بالليل بوقت تغشيته تذكيرا بالعبرة بحدوث حالة الظلمة بعد حالة النور . وطحو الأرض : بسطها وتوطئتها للسير والجلوس والاضطجاع ، يقال : طحا يطحو ويطحي طحوا وطحيا وهو مرادف « دحا » في سورة النازعات [ 30 ] . و « النفس » : ذات الإنسان كما تقدم عند قوله تعالى : يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ [ الفجر : 27 ] وتنكير « نفس » للنوعية أي جنس النفس فيعم كل نفس عموما بالقرينة على نحو قوله تعالى : عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ [ الانفطار : 5 ] . وتسوية النفس : خلقها سواء ، أي غير متفاوتة الخلق ، وتقدم في سورة الانفطار [ 7 ] عند قوله تعالى : الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ و ما * في المواضع الثلاثة من قوله : وَما بَناها ، أو ما طَحاها ، وَما سَوَّاها ، إمّا مصدرية يؤوّل الفعل بعدها بمصدر فالقسم بأمور من آثار قدرة اللّه تعالى وهي صفات الفعل الإلهية وهي رفعة السماء وطحوه الأرض وتسويته الإنسان . وعطف فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها على سَوَّاها ، فهو مقسم به ، وفعل « ألهمها » في تأويل مصدر لأنه معطوف على صلة ما المصدرية ، وعطف بالفاء لأن الإلهام ناشئ عن التسوية ، فضمير الرفع في « ألهمها » عائد إلى التسوية وهي المصدر المأخوذ من سَوَّاها ويجوز أن تكون ما موصولة صادقة على فعل اللّه تعالى ، وجملة بَناها صلة الموصول ، أي والبناء الذي بنى السماء ، والطحو الذي طحا الأرض والتسوية التي سوت النفس .