الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
321
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
فلما قضي حق ذلك ثني العنان إلى ذلك الإنسان فحصل من هذا النظم البديع محسّن ردّ العجز على الصدر ، ومحسن الطباق بين الميمنة والمشأمة . وقد عرف آنفا أن المشأمة منزلة الإهانة والغضب ، ولذلك أتبع بقوله : عَلَيْهِمْ نارٌ مُؤْصَدَةٌ وضمير الفصل في قوله : هُمْ أَصْحابُ الْمَشْأَمَةِ لتقوية الحكم وليس للقصر ، إذ قد استفيد القصر من ذكر الجملة المضادة للتي قبلها وهي أُولئِكَ أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ و مُؤْصَدَةٌ اسم مفعول من أوصد الباب بالواو . ويقال : أأصد بالهمز وهما لغتان ، قيل : الهمز لغة قريش وقيل : معناه جعله وصيدة . والوصيدة : بيت يتخذ من الحجارة في الجبال لحفظ الإبل . فقرأ الجمهور : موصدة بواو ساكنة بعد الميم من أوصد بالواو ، وقرأه أبو عمرو وحمزة وحفص عن عاصم ويعقوب وخلف بهمزة ساكنة بعد الميم من ءاصد الباب ، بهمزتين بمعنى وصده . وجملة : عَلَيْهِمْ نارٌ مُؤْصَدَةٌ بدل اشتمال من جملة هُمْ أَصْحابُ الْمَشْأَمَةِ أو استئناف بياني ناشئ عن الإخبار عنهم بأنهم أصحاب المشأمة . و عَلَيْهِمْ متعلق ب مُؤْصَدَةٌ ، وقدم على عامله للاهتمام بتعلق الغلق عليهم تعجيلا للترهيب . وقد استتب بهذا التقديم رعاية الفواصل بالهاء ابتداء من قوله : فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ [ البلد : 11 ] . وإسناد الموصديّة إلى النار مجاز عقلي ، والموصد هو موضع النار ، أي جهنم .