الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

316

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

للأعمال الصالحة الشاقة على النفس . وقد علمت أن ذلك من تشبيه المعقول بالمحسوس ، فلا وجه لتقدير من قدّر مضافا فقال : أي وما أدراك ما اقتحام العقبة . وقرأه ابن كثير وأبو عمرو والكسائي فك بفتح الكاف على صيغة فعل المضي ، وبنصب رقبة على المفعول ل فك أو « أطعم » بدون ألف بعد عين إِطْعامٌ على أنه فعل مضي عطفا على فك ، فتكون جملة : فك رقبة بيانا لجملة فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ وما بينهما اعتراضا ، أو تكون بدلا من جملة اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ أي فلا اقتحم العقبة ولا فكّ رقبة أو أطعم . وما بينهما اعتراض كما تقرر آنفا . والفك : أخذ الشيء من يد من احتاز به . والرقبة مراد بها الإنسان ، من إطلاق اسم الجزء على كله مثل إطلاق رأس وعين ووجه ، وإيثار لفظ الرقبة هنا لأن المراد ذات الأسير أو العبد وأول ما يخطر بذهن الناظر لواحد من هؤلاء . هو رقبته لأنه في الغالب يوثق من رقبته . وأطلق الفك على تخليص المأخوذ في أسر أو ملك ، لمشابهة تخليص الأمر العسير بالنزع من يد القابض الممتنع . وهذه الآية أصل من أصول التشريع الإسلامي وهو تشوّف الشارع إلى الحرية وقد بسطنا القول في ذلك في كتاب « أصول النظام الاجتماعي في الإسلام » . والمسغبة : الجوع وهي مصدر على وزن المفعلة مثل المحمدة والمرحمة من سغب كفرح سغبا إذا جاع . والمراد ب يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ زمان لا النهار المعروف . وإضافة ذِي إلى مَسْغَبَةٍ تفيد اختصاص ذلك اليوم بالمسغبة ، أي يوم مجاعة ، وذلك زمن البرد وزمن القحط . ووجه تخصيص اليوم ذي المسغبة بالإطعام فيه أن الناس في زمن المجاعة يشتد شحهم بالمال خشية امتداد زمن المجاعة والاحتياج إلى الأقوات . فالإطعام في ذلك الزمن أفضل ، وهو العقبة ودون العقبة مصاعد متفاوتة . وانتصب يَتِيماً على المفعول به ل إِطْعامٌ الذي هو مصدر عامل عمل فعله وإعمال المصدر غير المضاف ولا المعرّف باللام أقيس وإن كان إعمال المضاف أكثر ،