الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
313
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
النطق . وأعقب ما به اكتساب العلم وما به الإبانة عن المعلومات ، بما يرشد الفكر إلى النظر والبحث وذلك قوله : وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ فاستكمل الكلام أصول التعلّم والتعليم فإن الإنسان خلق محبا للمعرفة محبا للتعريف فبمشاعر الإدراك يكتسب المشاهدات وهي أصول المعلومات اليقينية ، وبالنطق يفيد ما يعلمه لغيره ، وبالهدي إلى الخير والشر يميز بين معلوماته ويمحصها . والشفتان هما الجلدتان اللتان تستران الفم وأسنانه وبهما يمتص الماء ، ومن انفتاحهما وانغلاقهما تتكيف أصوات الحروف التي بها النطق وهو المقصود هنا . وأصل شفة شفو نقص منه الواو وعوض عنه هاء فيجمع على شفوات ، وقيل : أصله شفه بهاء هي لام الكلمة فعوض عنها هاء التأنيث فيجمع على شفهات وشفاه . والذي يظهر أن الأصل شفه بهاء أصلية ثم عوملت الهاء معاملة هاء التأنيث تخفيفا في حالة الوصل فقالوا : شفة ، وتنوسي بكثرة الاستعمال فعومل معاملة هاء التأنيث في التثنية كما في الآية وهو الذي تقضيه تثنيته على شفتين دون أن يقولوا : شفوين ، فإنهم اتفقوا على أن التثنية تردّ الاسم إلى أصله . والهداية : الدلالة على الطريق المبلّغة إلى المكان المقصود السير إليه . والنجد : الأرض المرتفعة ارتفاعا دون الجبل . فالمراد هنا طريقان نجدان مرتفعان ، والطريق قد يكون منجدا مصعدا ، وقد يكون غورا منخفضا . وقد استعيرت الهداية هنا للإلهام الذي جعله اللّه في الإنسان يدرك به الضارّ والنافع وهو أصل التمدن الإنساني وأصل العلوم والهداية بدين الإسلام إلى ما فيه الفوز . واستعير النجدان للخير والشر ، وجعلا نجدين لصعوبة اتباع أحدهما وهو الخير فغلّب على الطريقين ، أو لأن كل واحد صعب باعتبار ، فطريق الخير صعوبته في سلوكه ، وطريق الشر صعوبته في عواقبه ، ولذلك عبر عنه بعد هذا ب الْعَقَبَةَ [ البلد : 11 ] . ويتضمن ذلك تشبيه إعمال الفكر لنوال المطلوب بالسير في الطريق الموصل إلى المكان المرغوب كما قال تعالى : إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً [ الإنسان : 3 ] وتشبيه الإقبال على تلقّي دعوة الإسلام إذ شقّت على نفوسهم كذلك .