الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
302
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
ويجوز أن تكون الآية استئنافا ابتدائيا جرى على مناسبة ذكر عذاب الإنسان المشرك فتكون خطابا من اللّه تعالى لنفوس المؤمنين المطمئنة . والأمر في ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ مراد منه تقييده بالحالين بعده وهما راضِيَةً مَرْضِيَّةً وهو من استعمال الأمر في الوعد والرجوع مجاز أيضا ، والإضمار في قوله : فِي عِبادِي وقوله : جَنَّتِي التفات من الغيبة إلى التكلم . وقال بعض أهل التأويل : نزلت في معيّن . فعن الضحاك : أنها نزلت في عثمان بن عفان لما تصدق ببئر رومة . وعن بريدة : أنها نزلت في حمزة حين قتل . وقيل : نزلت في خبيب بن عديّ لما صلبه أهل مكة . وهذه الأقوال تقتضي أن هذه الآية مدنية ، والاتفاق على أن السورة مكية إلا ما رواه الدّاني عن بعض العلماء أنها مدنية ، وهي على هذا منفصلة عما قبلها كتبت هنا بتوقيف خاص أو نزلت عقب ما قبلها للمناسبة . وعن ابن عباس وزيد بن حارثة وأبيّ بن كعب وابن مسعود : أن هذا يقال عند البعث لترجع الأرواح في الأجساد ، وعلى هذا فهي متصلة بقوله : إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ [ الفجر : 21 ] إلخ كالوجه الذي قبل هذا ، والرجوع على هذا حقيقة والرب مراد به صاحب النفس وهو الجسد . وعن زيد بن حارثة وأبي صالح : يقال هذا للنفس عند الموت . وقد روى الطبري عن سعيد بن جبير قال : قرأ رجل عند رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً فقال أبو بكر : ما أحسن هذا ؟ فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « أما إنّ الملك سيقولها لك عند الموت » . وعن زيد بن حارثة أن هذا يقال لنفس المؤمن عند الموت تبشر بالجنة . والنفس : تطلق على الذات كلها كما في قوله تعالى : أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ [ الزمر : 56 ] وقوله : وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ [ الأنعام : 151 ] وتطلق على الروح التي بها حياة الجسد كما في قوله : إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ [ يوسف : 53 ] . وعلى الإطلاقين توزع المعاني المتقدمة كما لا يخفى . و الْمُطْمَئِنَّةُ : اسم فاعل من اطمأن إذا كان هادئا غير مضطرب ولا منزعج ، فيجوز أن يكون من سكون النفس بالتصديق لما جاء به القرآن دون تردد ولا اضطراب بال فيكون