الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

291

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

قبيل تبيين المجمل ولكنه تمييز وفصل بين شيئين أو أشياء تشتبه أو تختلط . وقد تقدم ذكر ( أمّا ) عند قوله تعالى : فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ الآية في سورة البقرة [ 26 ] . والابتلاء : الاختبار ويكون بالخير وبالضرّ لأن في كليهما اختبارا لثبات النفس وخلق الأناة والصبر قال تعالى : وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً [ الأنبياء : 35 ] وبذكر الابتلاء ظهر أن إكرام اللّه إياه إكرام ابتلاء فيقع على حالين ، حال مرضية وحال غير مرضية وكذلك تقتير الرزق تقتير ابتلاء يقتضي حالين أيضا . قال تعالى : لِيَبْلُوَنِي أَ أَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ [ النمل : 40 ] وقال : وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً [ الأنبياء : 35 ] والأشهر أنه الاختبار بالضر وقد استعمل في هذه الآية في المعنيين . والمعنى : إذا جعل ربّه ما يناله من النعمة أو من التقتير مظهرا لحاله في الشكر والكفر ، وفي الصبر والجزع ، توهّم أن اللّه أكرمه بذلك أو أهانه بهذا . والإكرام : قال الراغب : أن يوصل إلى الإنسان كرامة ، وهي نفع لا تلحق فيه غضاضة ولا مذلة ، وأن يجعل ما يوصل إليه شيئا كريما ، أي شريفا قال تعالى : بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ [ الأنبياء : 26 ] ، أي جعلهم كراما ا ه يريد أن الإكرام يطلق على إعطاء المكرمة ويطلق على جعل الشيء كريما في صنفه فيصدق قوله تعالى : فَأَكْرَمَهُ بأن يصيب الإنسان ما هو نفع لا غضاضة فيه ، أو بأن جعل كريما سيدا شريفا . وقوله : فَأَكْرَمَهُ من المعنى الأول للإكرام وقوله : فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ من المعنى الثاني له في كلام الراغب واعلم أن قوله : وَنَعَّمَهُ صريح في أن اللّه ينعم على الكافرين إيقاظا لهم ومعاملة بالرحمة ، والذي عليه المحققون من المتكلمين أن الكافر منعم عليه في الدنيا ، وهو قول الماتريدي والباقلاني . وهذا مما اختلف فيه الأشعري والماتريدي والخلف لفظي . ومعنى نَعَّمَهُ جعله في نعمة ، أي في طيب عيش . ومعنى : فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ أعطاه بقدر محدود ، ومنه التقتير بالتاء الفوقية عوضا عن الدال ، وكلّ ذلك كناية عن القلة ويقابله بسط الرزق قال تعالى : وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ [ الشورى : 27 ] . والهاء في رِزْقَهُ يجوز أن تعود إلى الْإِنْسانُ من إضافة المصدر إلى المفعول ،