الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
286
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وتعريف « المرصاد » تعريف الجنس وهو يفيد عموم المتعلّق ، أي بالمرصاد لكل فاعل ، فهو تمثيل لعموم علم اللّه تعالى بما يكون من أعمال العباد وحركاتهم ، بحال اطلاع الرصد على تحركات العدوّ والمغيرين ، وهذا المثل كناية عن مجازاة كل عامل بما عمله وما يعمله إذ لا يقصد الرصد إلا للجزاء على العدوان ، وفي ما يفيده من التعليل إيماء إلى أن اللّه لم يظلمهم فيما أصابهم به . والباء في قوله لَبِالْمِرْصادِ للظرفية . [ 15 - 20 ] [ سورة الفجر ( 89 ) : الآيات 15 إلى 20 ] فَأَمَّا الْإِنْسانُ إِذا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ ( 15 ) وَأَمَّا إِذا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهانَنِ ( 16 ) كَلاَّ بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ ( 17 ) وَلا تَحَاضُّونَ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ ( 18 ) وَتَأْكُلُونَ التُّراثَ أَكْلاً لَمًّا ( 19 ) وَتُحِبُّونَ الْمالَ حُبًّا جَمًّا ( 20 ) فَأَمَّا الْإِنْسانُ إِذا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ ( 15 ) وَأَمَّا إِذا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهانَنِ ( 16 ) . كَلَّا دلت الفاء على أن الكلام الواقع بعدها متصل بما قبلها ومتفرع عليه لا محالة . ودلت ( أمّا ) على معنى : مهما يكن من شيء ، وذلك أصل معناها ومقتضى استعمالها ، فقوي بها ارتباط جوابها بما قبلها وقبل الفاء المتصلة بها ، فلاح ذلك برقا وامضا ، وانجلى بلمعة ما كان غامضا ، إذ كان تفريع ما بعد هذه الفاء على ما قبلها خفيا ، فلنبينه بيانا جليّا ، ذلك أن الكلام السابق اشتمل على وصف ما كانت تتمتع به الأمم الممثّل بها مما أنعم اللّه عليها به من النعم ، وهم لاهون عن دعوة رسل اللّه ، ومعرضون عن طلب مرضاة ربهم ، مقتحمون المناكر التي نهوا عنها ، بطرون بالنعمة ، معجبون بعظمتهم فعقب ذكر ما كانوا عليه وما جازاهم اللّه به عليه من عذاب في الدنيا ، باستخلاص فعقب ذكر ما كانوا عليه وما جازاهم اللّه به عليه من عذاب في الدنيا ، باستخلاص العبرة وهو تذكير المشركين بأن حالهم مماثل لحال أولئك ترفا وطغيانا وبطرا ، وتنبيههم على خطاهم إذ كانت لهم من حال الترف والنعمة شبهة توهّموا بها أن اللّه جعلهم محل كرامة ، فحسبوا أن إنذار الرسول صلى اللّه عليه وسلم إياهم بالعذاب ليس بصدق لأنه يخالف ما هو واقع لهم من النعمة ، فتوهموا أنّ فعل اللّه بهم أدلّ على كرامتهم عنده مما يخبر به الرسول صلى اللّه عليه وسلم أن اللّه أمرهم بخلاف ما هم عليه ، ونفوا أن يكون بعد هذا العالم عالم آخر يضاده ، وقصروا عطاء اللّه على ما عليه عباده في هذه الحياة الدنيا ، فكان هذا