الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
283
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
فلما وصف عدل عن تأنيثه تفننا في الأسلوب . ومعنى جابُوا : قطعوا ، أي نحتوا الصخر واتخذوا فيه بيوتا كما قال تعالى : وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً [ الشعراء : 149 ] وقد قيل : إن ثمود أول أمم البشر نحتوا الصخر والرخام . و الصَّخْرَ : الحجارة العظيمة . والواد : اسم لأرض كائنة بين جبلين منخفضة ، ومنه سمي مجرى الماء الكثير وادا وفيه لغتان : أن يكون آخره دالا ، وأن يكون آخره ياء ساكنة بعد الدال . وقرأ الجمهور بدون ياء . وقرأه ابن كثير ويعقوب بياء في آخره وصلا ووقفا ، وقرأه ورش عن نافع بياء في الوصل وبدونها في الوقف وهي قراءة مبنية على مراعاة الفواصل مثل ما تقدم في قوله تعالى : وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ [ الفجر : 4 ] وهو مرسوم في المصحف بدون ياء والقراءات تعتمد الرواية بالسمع لا رسم المصحف إذ المقصود من كتابة المصاحف أن يتذكر بها الحفاظ ما عسى أن ينسوه . والواد : علم بالغلبة على منازل ثمود ، ويقال له : وادي القرى ، بإضافته إلى « القرى » التي بنتها ثمود فيه ويسمى أيضا « الحجر » بكسر الحاء وسكون الجيم ، ويقال لها : « حجر ثمود » وهو واد بين خيبر وتيماء في طريق الماشي من المدينة إلى الشام ، ونزله اليهود بعد ثمود لما نزلوا بلاد العرب ، ونزله من قبائل العرب قضاعة وجهينة ، وعذرة وبليّ . وكان غزاه النبي صلى اللّه عليه وسلم وفتحه سنة سبع فأسلم من فيه من العرب وصولحت اليهود على جزية . والباء في قوله : بِالْوادِ للظرفية . والمراد ب فِرْعَوْنَ هو وقومه . ووصف ذِي الْأَوْتادِ لأن مملكته كانت تحتوي على الأهرام التي بناها أسلافه لأن صورة الهرم على الأرض تشبه الوتد المدقوق ، ويجوز أن يكون الأوتاد مستعارا للتمكن والثبات ، أي ذي القوة على نحو قوله : ذاتِ الْعِمادِ ، وقد تقدم عند قوله تعالى : كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتادِ في ص [ 12 ] . وقوله : الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ يجوز أن يكون شاملا لجميع المذكورين عاد وثمود