الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
280
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
والاستفهام تقريري ، وكونه بحرف هَلْ لأن أصل هَلْ أن تدل على التحقيق إذ هي بمعنى ( قد ) . واسم الإشارة عائد إلى المذكور مما أقسم به ، أي هل في القسم بذلك قسم . وتنكير قَسَمٌ للتعظيم أي قسم كاف ومقنع للمقسم له ، إذا كان عاقلا أن يتدبر بعقله . فالمعنى : هل في ذلك تحقيق لما أقسم عليه للسامع الموصوف بأنه صاحب حجر . والحجر : العقل لأنه يحجر صاحبه عن ارتكاب ما لا ينبغي ، كما سمي عقلا لأنه يعقل صاحبه عن التهافت كما يعقل العقال البعير عن الضّلال . واللام في قوله : لِذِي حِجْرٍ لام التعليل ، أي قسم لأجل ذي عقل يمنعه من المكابرة فيعلم أن المقسم بهذا القسم صادق فيما أقسم عليه . [ 6 - 14 ] [ سورة الفجر ( 89 ) : الآيات 6 إلى 14 ] أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ ( 6 ) إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ ( 7 ) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ ( 8 ) وَثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالْوادِ ( 9 ) وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتادِ ( 10 ) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ ( 11 ) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسادَ ( 12 ) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ ( 13 ) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ ( 14 ) لا يصلح هذا أن يكون جوابا للقسم ولكنه : إمّا دليل الجواب إذ يدل على أن المقسم عليه من جنس ما فعل بهذه الأمم الثلاث وهو الاستئصال الدال عليه قوله : فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ ، فتقدير الجواب ليصبن ربك على مكذبيك سوط عذاب كما صب على عاد وثمود وفرعون . وإمّا تمهيد للجواب ومقدمة له إن جعلت الجواب قوله : إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ وما بينه وبين الآيات السابقة اعتراض جعل كمقدمة لجواب القسم . والمعنى : إن ربك لبالمرصاد للمكذبين لا يخفى عليه أمرهم ، فيكون تثبيتا للنبي صلى اللّه عليه وسلم كقوله : وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ [ إبراهيم : 42 ] . فالاستفهام في قوله : أَ لَمْ تَرَ تقريري ، والمخاطب به النبي صلى اللّه عليه وسلم تثبيتا له ووعدا بالنصر ، وتعريضا للمعاندين بالإنذار بمثله فإن ما فعل بهذه الأمم الثلاث موعظة وإنذار للقوم الذين فعلوا مثل فعلهم من تكذيب رسل اللّه قصد منه تقريب وقوع ذلك وتوقع حلوله . لأن التذكير بالنظائر واستحضار الأمثال يقرّب إلى الأذهان الأمر الغريب الوقوع ،