الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

27

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

المتشابهة والملتبسة فلذلك أطلق على الحكم ، وقد يضاف إليه فيقال : فصل القضاء ، أي نوع من الفصل لأن القضاء يميز الحق من الظلم . فالجزاء على الأعمال فصل بين الناس بعضهم من بعض . وأوثر التعبير عنه بيوم الفصل لإثبات شيئين : أحدهما : أنه بيّن ثبوت ما جحدوه من البعث والجزاء وذلك فصل بين الصدق وكذبهم . وثانيهما : القضاء بين الناس فيما اختلفوا فيه ، وما اعتدى به بعضهم على بعض . وإقحام فعل كانَ لإفادة أن توقيته متأصل في علم اللّه لما اقتضته حكمته تعالى التي هو أعلم بها وأن استعجالهم به لا يقدّمه على ميقاته . وتقدم يَوْمَ الْفَصْلِ غير مرة أخراها في سورة المرسلات [ 14 ] . ووصف القرآن بالفصل يأتي في قوله تعالى : إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ في سورة الطارق [ 13 ] . والميقات : مفعال مشتق من الوقت ، والوقت : الزمان المحدّد في عمل ما ، ولذلك لا يستعمل لفظ وقت إلا مقيدا بإضافة أو نحوها نحو وقت الصلاة . فالميقات جاء على زنة اسم الآلة وأريد به نفس الوقت المحدد به شيء مثل ميعاد وميلاد ، في الخروج عن كونه اسم آلة إلى جعله اسما لنفس ما اشتق منه . والسياق دل على متعلق ميقات ، أي كان ميقاتا للبعث والجزاء . فكونه مِيقاتاً كناية تلويحية عن تحقيق وقوعه إذ التوقيت لا يكون إلا بزمن محقق الوقوع ولو تأخر وأبطأ . وهذا رد لسؤالهم تعجيله وعن سبب تأخيره ، سؤالا يريدون منه الاستهزاء بخبره . والمعنى : أن ليس تأخر وقوعه دالّا على انتفاء حصوله . والمعنى : ليس تكذيبكم به مما يحملنا على تغيير إبانة المحدد له ولكن اللّه مستدرجكم مدة . وفي هذا إنذار لهم بأنه لا يدرى لعله يحصل قريبا قال تعالى : لا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً [ الأعراف : 187 ] وقال : قُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَرِيباً [ الإسراء : 51 ] .