الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

266

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

[ 11 ] [ سورة الغاشية ( 88 ) : آية 11 ] لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً ( 11 ) اللاغية : مصدر بمعنى اللّغو مثل الكاذبة للكذب . والخائنة والعافية ، أي لا يسمع فيها لغو ، أو هو وصف لموصوف مقدر التأنيث ، أي كلمة لاغية لما دل عليه لاغِيَةً من أنها كلمات ، ووصف الكلمة بذلك مجاز عقلي لأن اللاغي صاحبها . ونفي سماع لاغِيَةً مكنى به عن انتفاء اللغو في الجنة من باب : ولا ترى الضب بها ينجحر أي لا ضبّ بها إذ الضب لا يخلو من الانجحار . واللغو : الكلام الذي لا فائدة له ، وهذا تنبيه على أن الجنة دار جد وحقيقة فلا كلام فيها إلا لفائدة لأن النفوس فيها تخلصت من النقائص كلها فلا يلذّ لها إلا الحقائق والسمو العقلي والخلقي ، ولا ينطقون إلا ما يزيد النفوس تزكية . وجملة : لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً صفة ثانية ل جَنَّةٍ [ الغاشية : 10 ] ترك عطفها على الصفة التي قبلها لأن النعوت المتعددة يجوز أن تعطف ويجوز أن تفصل دون عطف قال في « التسهيل » : « ويجوز عطف بعض النعوت على بعض وقال المرادي في « شرحه » نحو قوله تعالى : الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى * وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعى [ الأعلى : 2 - 4 ] . وقال : ولا يعطف إلا بالواو ما لم يكن ترتيب : فبالفاء كقوله : يا لهف زيّابة للحارب ال * صابح فالغانم فالآئب قال السهيلي : والعطف ب ( ثم ) جوازه بعيد . ا ه . قال الدماميني : وكذا في الجمل نحو مررت برجل يحفظ القرآن ويعرف الفقه ويتقي إلى اللّه ، قال : ونص الواحدي في قوله تعالى : لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبالًا وَدُّوا ما عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ [ آل عمران : 118 ] . أن لا يألونكم وما بعده من الجمل ( أي الثلاث ) لا يكون صفات ، لعدم العاطف لكن ظاهر سكوت الجمهور عن وجوب العطف يشعر بجوازه فيها ( أي الجمل ) كالمفردات ا ه . ابتدئ في تعداد صفات الجنة بصفتها الذاتية وهو كونها عالية ، وثني بصفة تنزيهها عمّا يعدّ من نقائص مجامع الناس ومساكن الجماعات وهو الغوغاء واللغو ، وقد جردت هذه الجملة من أن تعطف على عالِيَةٍ [ الغاشية : 10 ] مراعاة لعدم التناسب بين المفردات