الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
264
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وسوء مغبته . وقيل : الضريع اسم سمّى القرآن به شجرا في جهنم وأن هذا الشجر هو الذي يسيل منه الغسلين الوارد في قوله تعالى : فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هاهُنا حَمِيمٌ وَلا طَعامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ [ الحاقة : 35 ، 36 ] وعليه فحرف مِنْ للابتداء ، أي ليس لهم طعام إلا ما يخرج من الضريع والخارج هو الغسلين وقد حصل الجمع بين الآيتين . ووصف ضريع بأنه لا يسمن ولا يغني من جوع لتشويهه وأنه تمحض للضر فلا يعود على آكليه بسمن يصلح بعض ما التفح من أجسادهم ، ولا يغني عنهم دفع ألم الجوع ، ولعل الجوع من ضروب تعذيبهم فيسألون الطعام فيطعمون الضريع فلا يدفع عنهم ألم الجوع . والسمن ، بكسر السين وفتح الميم : وفرة اللحم والشحم للحيوان يقال : أسمنه الطعام ، إذا عاد عليه بالسمن . والإغناء : الإكفاء ودفع الحاجة . و مِنْ جُوعٍ متعلق ب يُغْنِي وحرف مِنْ لمعنى البدلية ، أي غناء بدلا عن الجوع . والقصر المستفاد من قوله : لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ مع قوله تعالى : وَلا طَعامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ [ الحاقة : 36 ] يؤيد أن الضريع اسم شجر جهنم يسيل منه الغسلين . [ 8 - 10 ] [ سورة الغاشية ( 88 ) : الآيات 8 إلى 10 ] وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ ( 8 ) لِسَعْيِها راضِيَةٌ ( 9 ) فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ ( 10 ) يتبادر في بادئ الرأي أن حق هذه الجملة أن تعطف على جملة وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ [ الغاشية : 2 ] بالواو لأنها مشاركة لها في حكم البيان لحديث الغاشية كما عطفت جملة : وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ [ عبس : 40 ] على جملة : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ في سورة عبس [ 38 ] . فيتجه أن يسأل عن وجه فصلها عن التي قبلها ، ووجه الفصل التنبيه على أن المقصود من الاستفهام في هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ [ الغاشية : 1 ] الإعلام بحال المعرّض بتهديدهم وهم أصحاب الوجوه الخاشعة فلما حصل ذلك الإعلام بجملة : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ [ الغاشية : 2 ] إلى آخرها تم المقصود ، فجاءت الجملة بعدها مفصولة لأنها جعلت استئنافا بيانيا جوابا عن سؤال مقدر تثيره الجملة السابقة فيتساءل السامع : هل من حديث الغاشية ما هو مغاير لهذا الهول ؟ أي ما هو أنس ونعيم لقوم آخرين .