الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

262

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

يَوْمَئِذٍ [ الغاشية : 2 ] أي يوم الغاشية . [ 2 - 7 ] [ سورة الغاشية ( 88 ) : الآيات 2 إلى 7 ] وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ ( 2 ) عامِلَةٌ ناصِبَةٌ ( 3 ) تَصْلى ناراً حامِيَةً ( 4 ) تُسْقى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ ( 5 ) لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلاَّ مِنْ ضَرِيعٍ ( 6 ) لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ ( 7 ) وُجُوهٌ مبتدأ و خاشِعَةٌ خبر والجملة بيان لحديث الغاشية كما يفيده الظرف من قوله : يَوْمَئِذٍ فإن ما صدقه هو يوم الغاشية . ويكون تنكير وُجُوهٌ وهو مبتدأ قصد منه النوع . و خاشِعَةٌ ، عامِلَةٌ ، ناصِبَةٌ أخبار ثلاثة عن وُجُوهٌ ، والمعنى : أناس خاشعون إلخ . فالوجوه كناية عن أصحابها ، إذ يكنى بالوجه عن الذات كقوله تعالى : وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ [ الرحمن : 27 ] . وقرينة ذلك هنا قوله بعده : لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ إذ جعل ضمير الوجوه جماعة العقلاء . وأوثرت الوجوه بالكناية عن أصحابها هنا وفي مثل هذا المقام لأن حالة الوجوه تنبئ عن حالة أصحابها إذ الوجه عنوان عما يجده صاحبه من نعيم أو شقوة كما يقال : خرج بوجه غير الوجه الذي دخل به . وتقدم في قوله تعالى : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ الآية في سورة عبس [ 38 ] . ويجوز أن يجعل إسناد الخشوع والعمل والنصب إلى وُجُوهٌ من قبيل المجاز العقلي ، أي أصحاب وجوه . ويتعلق يَوْمَئِذٍ ب خاشِعَةٌ قدم على متعلقه للاهتمام بذلك اليوم ولما كانت ( إذ ) من الأسماء التي تلزم الإضافة إلى جملة فالجملة المضاف إليها ( إذ ) محذوفة عوّض عنها التنوين ، ويدل عليها ما في اسم الْغاشِيَةِ من لمح أصل الوصفية لأنها بمعنى التي تغشى الناس فتقدير الجملة المحذوفة يوم إذ تغشى الغاشية . أو يدل على الجملة سياق الكلام فتقدر الجملة : يوم إذ تحدث أو تقع . و خاشِعَةٌ : ذليلة يطلق الخشوع على المذلة قال تعالى : وَتَراهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْها خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ [ الشورى : 45 ] وقال : خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ [ المعارج : 44 ] . والعاملة : المكلفة العمل من المشاق يومئذ . و ناصِبَةٌ : من النصب وهو التعب .