الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
258
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
روى ابن مردويه والآجري عن أبي ذر قال : « قلت يا رسول اللّه هل أنزل عليك شيء مما كان في صحف إبراهيم وموسى ؟ قال : نعم قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى * بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا * وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى [ الأعلى : 14 - 17 ] . ولم أقف على مرتبة هذا الحديث . ومعنى الظرفية من قوله : لَفِي الصُّحُفِ أن مماثله في المعنى مكتوب في الصحف الأولى ، فأطلقت الصحف على ما هو مكتوب فيها على وجه المجاز المرسل كما في قوله تعالى : وَقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا [ ص : 16 ] ، أي ما في قطّنا وهو صك الأعمال . و الصُّحُفِ : جمع صحيفة على غير قياس لأن قياس جمعه صحائف ، ولكنه مع كونه غير مقيس هو الأفصح كما قالوا : سفن في جمع سفينة ، ووجه جمع الصحف أن إبراهيم كانت له صحف وأن موسى كانت له صحف كثيرة وهي مجموع صحف أسفار التوراة . وجاء نظم الكلام على أسلوب الإجمال والتفصيل ليكون لهذا الخبر مزيد تقرير في أذهان الناس فقوله : صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى بدل من الصُّحُفِ الْأُولى و الْأُولى : وصف لصحف الذي هو جمع تكسير فله حكم التأنيث . و الْأُولى صيغة تفضيل . واختلف في الحروف الأصلية للفظ أوّل فقيل : حروفه الأصول همزة فواو ( مكررة ) فلام ذكره في « للسان » فيكون وزن أول : أأول ، فقلبت الهمزة الثانية واوا وأدغمت في الواو . وقيل : أصوله : واوان ولام وأن الهمزة التي في أوله مزيدة فوزن أول : أفعل وإدغام إحدى الواوين ظاهر . وقيل : حروفه الأصلية واو وهمزة ولام فأصل أول أو أل بوزن أفعل قلبت الهمزة التي بعد الواو واوا وأدغما . و الْأُولى : مؤنث أفعل من هذه المادة فإما أن نقول : أصلها أولى سكنت الواو سكونا ميتا لوقوعها إثر ضمة ، أو أصلها : وولى بواو مضمومة في أوله وسكنت الواو الثانية أيضا ، أو أصلها : وألى بواو مضمومة ثم همزة ساكنة فوقع فيه قلب ، فقيل : أولى فوزنها على هذا عفلى . والمراد بالأولية في وصف الصحف سبق الزمان بالنسبة إلى القرآن لا التي لم يسبقها غيرها لأنه قد روي أن بعض الرسل قبل إبراهيم أنزلت عليه صحف فهو كوصف ( عاد )