الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

249

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

قرأ : نُنْسِها في سورة البقرة [ 106 ] . النوع الثاني : ما يعرض نسيانه للنبي صلى اللّه عليه وسلم نسيانا موقتا كشأن عوارض الحافظة البشرية ثم يقيض اللّه له ما يذكره به . ففي « صحيح البخاري » عن عائشة قالت : « سمع النبي صلى اللّه عليه وسلم رجلا يقرأ من الليل بالمسجد فقال : يرحمه اللّه لقد أذكرني كذا وكذا آية أسقطتهن أو كنت أنسيتها من سورة كذا وكذا ، وفيه أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أسقط آية في قراءته في الصلاة فسأله أبيّ بن كعب أنسخت ؟ فقال : « نسيتها » . وليس قوله : فَلا تَنْسى من الخبر المستعمل في النهي عن النسيان لأن النسيان لا يدخل تحت التكليف ، أمّا إنه ليست ( لا ) فيه ناهية فظاهر ومن زعمه تعسف لتعليل كتابة الألف في آخره . وجملة : إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَما يَخْفى معترضة وهي تعليل لجملة : فَلا تَنْسى إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ فإن مضمون تلك الجملة ضمان اللّه لرسوله صلى اللّه عليه وسلم ، حفظ القرآن من النقص العارض . ومناسبة الجهر وما يخفى أن ما يقرؤه الرسول صلى اللّه عليه وسلم من القرآن هو من قبيل الجهر فاللّه يعلمه ، وما ينساه فيسقطه من القرآن هو من قبيل الخفيّ فيعلم اللّه أنه اختفى في حافظته حين القراءة فلم يبرز إلى النطق به . [ 8 ] [ سورة الأعلى ( 87 ) : آية 8 ] وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى ( 8 ) عطف على سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى [ الأعلى : 6 ] . وجملة إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَما يَخْفى [ الأعلى : 7 ] معترضة كما علمت . وهذا العطف من عطف الأعم على الأخص في المآل وإن كان مفهوم الجملة السابقة مغايرا لمفهوم التيسير لأن مفهومها الحفظ والصيانة ومفهوم المعطوفة تيسير الخير له . والتيسير : جعل العمل يسيرا على عامله . ومفعول فعل التيسير هو الشيء الذي يجعل يسيرا ، أي غير صعب ويذكر مع المفعول الشيء المجعول الفعل يسيرا لأجله مجرورا باللام كقوله تعالى : وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي [ طه : 26 ] . واليسرى : مؤنث الأيسر ، وصيغة فعلى تدل على قوة الوصف لأنها مؤنث أفعل .