الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

247

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

الذي ينبت به المرعى فتنتفع به الدواب والأنعام ، وإلى أن هذه الشريعة تكمل ويبلغ ما أراد اللّه فيها كما يكمل المرعى ويبلغ نضجه حين يصير غثاء أحوى ، على طريقة تمثيلية مكنية رمز إليها بذكر لازم الغيث وهو المرعى . وقد جاء بيان هذا الإيماء وتفصيله بقول النبي صلى اللّه عليه وسلم : « مثل ما بعثني اللّه به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضا فكان منها نقيّة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير ، وكانت منها أجادب أمسكت الماء ، فنفع اللّه بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا » الحديث . ويجوز أن يكون المقصود من جملة : فَجَعَلَهُ غُثاءً أَحْوى إدماج العبرة بتصاريف ما أودع اللّه في المخلوقات من مختلف الأطوار من الشيء إلى ضده للتذكير بالفناء بعد الحياة كما قال تعالى : اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ [ الروم : 54 ] للإشارة إلى أن مدة نضارة الحياة للأشياء تشبه المدة القصيرة ، فاستعير لعطف جعله غُثاءً الحرف الموضوع لعطف ما يحصل فيه حكم المعطوف بعد زمن قريب من زمن حصول المعطوف عليه ، ويكون ذلك من قبيل قوله تعالى : إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعامُ إلى قوله : فَجَعَلْناها حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ [ يونس : 24 ] . [ 6 ، 7 ] [ سورة الأعلى ( 87 ) : الآيات 6 إلى 7 ] سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى ( 6 ) إِلاَّ ما شاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَما يَخْفى ( 7 ) قد عرفت أن الأمر بالتسبيح في قوله : سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى [ الأعلى : 1 ] بشارة إجمالية للنبي صلى اللّه عليه وسلم بخير يحصل له ، فهذا موقع البيان الصريح بوعده بأنه سيعصمه من نسيان ما يقرئه فيبلّغه كما أوحي إليه ويحفظه من التفلت عليه ، ولهذا تكون هذه الجملة استئنافا بيانيا لأن البشارة تنشئ في نفس النبي صلى اللّه عليه وسلم ترقبا لوعد بخير يأتيه فبشره بأنه سيزيده من الوحي ، مع ما فرّع على قوله : سَنُقْرِئُكَ من قوله : فَلا تَنْسى وإذ قد كانت هذه السورة من أوائل السور نزولا . وقد ثبت في الصحيح عن ابن عباس : « أن النبي صلى اللّه عليه وسلم كان يعالج من التنزيل شدة إذا نزل جبريل ، وكان ممّا يحرك شفتيه ولسانه ، يريد أن يحفظه ويخشى أن يتفلت عليه فقيل له : لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ [ القيامة : 16 ، 17 ] ، إنّ علينا أن نجمعه في صدرك وقرآنه أن تقرأه : فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ [ القيامة : 18 ] . يقول : إذا أنزل عليك فاستمع ، قال : فكان إذا أتاه