الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

238

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

المعاذير ليصرفوهم عن أن يتدبروا القرآن وهو ما حكاه اللّه عنهم في قوله : وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ [ فصلت : 26 ] فالهزل على هذا الوجه هو ضدّ الجدّ أعني المزح واللعب ، ومثل هذه الصفة إذا وردت في الكلام البليغ لا محمل لها إلا إرادة التعريض وإلا كانت تقصيرا في المدح لا سيما إذا سبقتها محمدة من المحامد العظيمة . ويجوز أن يطلق الهزل على الهذيان قال تعالى : وَما هُوَ بِالْهَزْلِ أي بالهذيان . [ 15 - 16 ] [ سورة الطارق ( 86 ) : الآيات 15 إلى 16 ] إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً ( 15 ) وَأَكِيدُ كَيْداً ( 16 ) استئناف بياني ينبئ عن سؤال سائل يعجب من إعراضهم عن القرآن مع أنه قول فصل ويعجب من معاذيرهم الباطلة مثل قولهم : هو هزل أو هذيان أو سحر ، فبين للسامع أن عملهم ذلك كيد مقصود . فهم يتظاهرون بأنهم ما يصرفهم عن التصديق بالقرآن إلا ما تحققوه من عدم صدقه ، وهم إنما يصرفهم عن الإيمان به الحفاظ على سيادتهم فيضللون عامتهم بتلك التعلات الملفقة . والتأكيد ب ( إنّ ) لتحقيق هذا الخبر لغرابته ، وعليه فقوله : وَأَكِيدُ كَيْداً تتميم وإدماج وإنذار لهم حين يسمعونه . ويجوز أن يكون قوله : إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً موجها إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم تسلية له على أقوالهم في القرآن الراجعة إلى تكذيب من جاء القرآن . أي إنما يدّعون أنه هزل لقصد الكيد وليس لأنهم يحسبونك كاذبا على نحو قوله تعالى : فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ [ الأنعام : 33 ] . والضمير الواقع اسما ل ( إنّ ) عائد إلى ما فهم من قوله تعالى : إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ * وَما هُوَ بِالْهَزْلِ [ الطارق : 13 ، 14 ] من الرد على الذين يزعمون القرآن بعكس ذلك ، أي أن المشركين المكذبين يكيدون . وجملة : وَأَكِيدُ كَيْداً تثبيت للرسول صلى اللّه عليه وسلم ووعد بالنصر . و كَيْداً في الموضعين مفعول مطلق مؤكد لعامله وقصد منه مع التوكيد تنوين تنكيره الدال على التعظيم . والكيد : إخفاء قصد الضر وإظهار خلافه ، فكيدهم مستعمل في حقيقته ، وأما الكيد المسند إلى ضمير الجلالة فهو مستعمل في الإمهال مع إرادة الانتقام عند وجود ما تقتضيه