الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

231

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وأحسب أن استعارة الثقب لبروز شعاع النجم في ظلمة الليل من مبتكرات القرآن ولم يرد في كلام العرب قبل القرآن . وقد سبق قوله تعالى : فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ في سورة الصافات [ 10 ] ، ووقع في « تفسير القرطبي » : والعرب تقول أثقب نارك ، أي أضئها ، وساق بيتا شاهدا على ذلك ولم يعزه إلى قائل . والتعريف في النَّجْمُ يجوز أن يكون تعريف الجنس كقول النابغة : أقول والنجم قد مالت أواخره . . . البيت فيستغرق جميع النجوم استغراقا حقيقيا وكلها ثاقب فكأنه قيل ، والنجوم ، إلا أن صيغة الإفراد في قوله : الثَّاقِبُ ظاهر في إرادة فرد معيّن من النجوم ، ويجوز أن يكون التعريف للعهد إشارة إلى نجم معروف يطلق عليه اسم النجم غالبا ، أي والنجم الذي هو طارق . ويناسب أن يكون نجما يطلع في أوائل ظلمة الليل وهي الوقت المعهود لطروق الطارقين من السائرين . ولعل الطارق هو النجم الذي يسمى الشاهد ، وهو نجم يظهر عقب غروب الشمس ، وبه سميت صلاة المغرب « صلاة الشاهد » . روى النسائي : « أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : إن هذه الصلاة » ( أي العصر ) فرضت على من كان قبلكم فضيعوها » إلى قوله : « ولا صلاة بعدها حتى يطلع الشاهد » . وقيل : أريد ب الطَّارِقِ * نوع الشهب ، روي عن جابر بن زيد : أن النجم الطارق هو كوكب زحل ( لأنه مبرز على الكواكب بقوة شعاعه ) . وعنه : أنه الثريا ( لأن العرب تطلق عليها النجم علما بالغلبة ) ، وعن ابن عباس : أنه نجوم برج الجدي ، ولعل ذلك النجم كان معهودا عند العرب واشتهر في ذلك في نجم الثريا . وقيل : أريد بالطارق نوع الشهب ( أي لأن الشهاب ينقضّ فيلوح كأنه يجري في السماء كما يسير السائر إذا أدركه الليل ) . فالتعريف في لفظ النَّجْمُ للاستغراق ، وخص عمومه بوقوعه خبرا عن ضمير الطَّارِقِ * أي أن الشهاب عند انقضاضه يرى سائرا بسرعة ثم يغيب عن النظر فيلوح كأنه استقر فأشبه إسراع السائر ليلا ليبلغ إلى الأحياء المعمورة فإذا بلغها وقف سيره . وجواب القسم هو قوله : إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ جعل كناية تلويحية رمزية عن المقصود . وهو إثبات البعث فهو كالدليل على إثباته ، فإن إقامة الحافظ تستلزم شيئا