الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

22

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

نورها فوائد جمة . والسراج : حقيقته المصباح الذي يستضاء به وهو إناء يجعل فيه زيت وفي الزيت خرقة مفتولة تسمى الذّبالة تشعل بنار فتضيء ما دام فيها بلل الزيت . والكلام على التشبيه البليغ والغرض من التشبيه تقريب صفة المشبّه إلى الأذهان كما تقدم في سورة نوح . وزيد ذلك التقريب بوصف السراج بالوهّاج ، أي الشديد السّنا . والوهاج : أصله الشديد الوهج ( بفتح الواو وفتح الهاء ، ويقال : بفتح الواو وسكون الهاء ) وهو الاتقاد يقال : وهجت النار إذا اضطرمت اضطراما شديدا . ويطلق الوهاج على المتلألئ المضيء وهو المراد هنا لأن وصف وهاج أجري على سراج ، أي سراجا شديد الإضاءة ، ولا يقال : سراج ملتهب . قال الراغب : الوهج حصول الضوء والحرّ من النار . وفي « الأساس » عدّ قولهم : سراج وهاج في قسم الحقيقة . وعليه جرى قوله في « الكشاف » : « متلألئا وقّادا . وتوهجت النار ، إذ تلمظت فتوهجت بضوئها وحرّها » فإذن يكون التعبير عن الشمس بالسراج في هذه الآية هو موقع التشبيه . ولذلك أوثر فعل : جَعَلْنا دون : خلقنا ، لأن كونها سراجا وهّاجا حالة من أحوالها وإنما يعلق فعل الخلق بالذوات . فالمعنى : وجعلنا لكم سراجا وهّاجا أو وجعلنا في السبع الشداد سراجا وهّاجا على نحو قوله تعالى : أَ لَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجاً [ نوح : 15 ، 16 ] وقوله : تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيها سِراجاً وَقَمَراً مُنِيراً [ الفرقان : 61 ] سواء قدّرت ضمير فِيها عائدا إلى السَّماءِ أو إلى ( البروج ) لأن البروج هي بروج السماء . وقوله : سِراجاً اسم جنس فقد يراد به الواحد من ذلك الجنس فيحتمل أن يراد الشمس أو القمر . [ 14 - 16 ] [ سورة النبأ ( 78 ) : الآيات 14 إلى 16 ] وَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ ماءً ثَجَّاجاً ( 14 ) لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَباتاً ( 15 ) وَجَنَّاتٍ أَلْفافاً ( 16 )