الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

203

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

الكلام أو التي يصح أن تراد في الآية عدة ، منها الغلب والمتابعة ، والسلوك ، والاقتحام ، والملازمة ، والرفعة . وأصل تلك المعاني إما استعارة وإما تمثيل يقال : ركب أمرا صعبا وارتكب خطأ . وأما كلمة طَبَقٍ فحقيقتها أنها اسم مفرد للشيء المساوي شيئا آخر في حجمه وقدره ، وظاهر كلام « الأساس » و « الصحاح » أن المساواة بقيد كون الطبق أعلى من الشّيء لمساويه فهو حقيقة في الغطاء فيكون من الألفاظ الموضوعة لمعنى مقيّد كالخوان والكأس ، وظاهر « الكشاف » أن حقيقته مطلق المساواة فيكون قيد الاعتلاء عارضا بغلبة الاستعمال ، يقال : طابق النعل النعل . وأيّا ما كان فهو اسم على وزن فعل إما مشتق من المطابقة كاشتقاق الصفة المشبهة ثم عومل معاملة الأسماء وتنوسي منه الاشتقاق . وإما أن يكون أصله اسم الطبق وهو الغطاء لوحظ فيه التشبيه ثم تنوسي ذلك فجاءت منه مادة المطابقة بمعنى المساواة فيكون من المشتقات من الأسماء الجامدة . ويطلق اسما مفردا للغطاء الذي يغطى به ، ومنه قولهم في المثل : « وافق شنّ طبقة » أي غطاءه وهذا من الحقيقة لأن الغطاء مساو لما يغطّيه . ويطلق الطبق على الحالة لأنها ملابسة لصاحبها كملابسة الطبق لما طبق عليه . ويطلق اسما مفردا أيضا على شيء متخذ من أدم أو عود ويؤكل عليه وتوضع فيه الفواكه ونحوها ، وكأنه سمي طبقا لأن أصله أن يستعمل غطاء الآنية فتوضع فيه أشياء . ويطلق اسم جمع لطبقة : وهي مكان فوق مكان آخر معتبر مثله في المقدار إلا أنه مرتفع عليه . وهذا من المجاز يقال : أتانا طبق من الناس ، أي جماعة . ويقارن اختلاف معاني اللفظين اختلاف معنى عَنْ من مجاوزة وهي معنى حقيقي ، أو من مرادفة كلمة ( بعد ) وهو معنى مجازي . وكذلك اختلاف وجه النصب للفظ طبقا بين المفعول به والحال ، وتزداد هذه المحامل إذا لم تقصر الجمل على ما له مناسبة بسياق الكلام من موقع الجملة عقب آية : يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ [ الانشقاق : 6 ] الآيات . ومن وقوعها بعد القسم المشعر بالتأكيد ، ومن اقتضاء فعل المضارعة بعد القسم أنه للمستقبل . فتتركب من هذه المحامل معان كثيرة صالحة لتأويل الآية .