الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

200

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

من ذلك السرور الذي كان لهم في الحياة الدنيا المعروف من أحوالهم بما حكي في آيات كثيرة مثل قوله : أُولِي النَّعْمَةِ [ المزمل : 11 ] وقوله : وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ [ المطففين : 31 ] فآلوا إلى ألم النار في الآخرة حتى دعوا بالثبور . وتأكيد الخبر من شأن الأخبار المستعملة في التعجيب كقول عمر لحذيفة بن اليمان : « إنّك عليه لجريء » ( أي على النبي صلى اللّه عليه وسلم ) . وهذه الجملة معترضة . وموقع جملة : إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ موقع التعليل لمضمون جملة : وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ وَراءَ ظَهْرِهِ إلى آخرها . وحرف ( إنّ ) فيها مغن عن فاء التعليل ، فالمعنى : يصلى سعيرا لأنه ظن أن لن يحور ، أي لن يرجع إلى الحياة بعد الموت ، أي لأنه يكذّب بالبعث ، يقال : حار يحور ، إذا رجع إلى المكان الذي كان فيه ، ثم أطلق على الرجوع إلى حالة كان فيها بعد أن فارقها ، وهو المراد هنا وهو من المجاز الشائع مثل إطلاق الرجوع عليه في قوله : ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُكُمْ [ يونس : 23 ] وقوله : إِنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ [ الطارق : 8 ] وسمي يوم البعث يوم المعاد . وجيء بحرف لَنْ الدال على تأكيد النفي وتأييده لحكاية جزمهم وقطعهم بنفيه . وحرف بَلى يجاب به الكلام المنفي لإبطال نفيه وأكثر وقوعه بعد الاستفهام عن النفي نحو : أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى [ الأعراف : 172 ] ويقع بعد غير الاستفهام أيضا نحو قوله تعالى : زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ [ التغابن : 7 ] . وموقع بَلى الاستئناف كأحرف الجواب . وجملة : إِنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيراً مبينة للإبطال الذي أفاده حرف بَلى على وجه الإجمال يعني أن ظنه باطل لأن ربه أنبأه بأنه يبعث . والمعنى : إن ربه عليم بمآله . وتأكيد ذلك بحرف إِنَّ لرده إنكاره البعث الذي أخبر اللّه به على لسان رسوله صلى اللّه عليه وسلم فآل المعنى الحاصل من حرف الإبطال ومن حرف التأكيد إلى معنى : أن ربه بصير به وأما هو فغير بصير بحاله كقوله : وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [ البقرة : 216 ] .