الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

181

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وعن الفراء أن عِلِّيِّينَ لا واحد له . يريد : أن عليين ليس جمع ( عليّ ) ولكنّه علم على مكان الأبرار في الجنّة إذ لم يسمع عن العرب ( علّيّ ) وإنّما قالوا : علّيّة للغرفة ، وعليون علم بالغلبة لمحلة الأبرار . واشتق هذا الاسم من العلوّ ، وهو علوّ اعتباري ، أي رفعة في مراتب الشرف والفضل ، وصيغ على صيغة جمع المذكر لأن أصل تلك الصيغة أن تجمع بها أسماء العقلاء وصفاتهم ، فاستكمل له صيغة جمع العقلاء الذكور إتماما لشرف المعنى باستعارة العلو وشرف النوع بإعطائه صيغة التذكير . والقول في وَما أَدْراكَ ما عِلِّيُّونَ كالقول في وَما أَدْراكَ ما سِجِّينٌ * كِتابٌ مَرْقُومٌ [ المطففين : 8 ، 9 ] المتقدم . و يَشْهَدُهُ يطلعون عليه ، أي يعلن به عند المقربين ، وهم الملائكة وهو إعلان تنويه بصاحبه كما يعلن بأسماء النابغين في التعليم ، وأسماء الأبطال في الكتائب . [ 22 - 28 ] [ سورة المطففين ( 83 ) : الآيات 22 إلى 28 ] إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ ( 22 ) عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ ( 23 ) تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ ( 24 ) يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ ( 25 ) خِتامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ ( 26 ) وَمِزاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ ( 27 ) عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ ( 28 ) مضمون هذه الجملة قسيم لمضمون جملة : إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ [ المطففين : 15 ] إلى آخرها . ولذلك جاءت على نسيج نظم قسيمتها افتتاحا وتوصيفا وفصلا ، وهي مبيّنة لجملة : إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ [ المطففين : 18 ] فموقعها موقع البيان أو موقع بدل الاشتمال على كلا الوجهين في موقع التي قبلها على أنه يجوز أن تكون من الكلام الذي يقال لهم ، وهو المحكي بقوله : ثُمَّ يُقالُ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ [ المطففين : 17 ] فيكون قول ذلك لهم ، تحسيرا وتنديما على تفريطهم في الإيمان . وأحد الوجهين لا يناكد الوجه الآخر فيما قرر للجملة من الخصوصيات . وذكر الأبرار بالاسم الظاهر دون ضميرهم . خلافا لما جاء في جملة : إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ [ المطففين : 15 ] تنويها بوصف الأبرار . وقوله : عَلَى الْأَرائِكِ خبر ثان عن الأبرار ، أي هم على الأرائك ، أي متكئون عليها .