الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
171
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
[ 4 - 6 ] [ سورة المطففين ( 83 ) : الآيات 4 إلى 6 ] أَ لا يَظُنُّ أُولئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ ( 4 ) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ ( 5 ) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ ( 6 ) استئناف ناشئ عن الوعيد والتقريع لهم بالويل على التطفيف وما وصفوا به من الاعتداء على حقوق المبتاعين . والهمزة للاستفهام التعجيبي بحيث يسأل السائل عن عملهم بالبعث ، وهذا يرجح أن الخطاب في قوله : وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ [ المطففين : 1 ] موجه إلى المسلمين . ويرجع الإنكار والتعجيب من ذلك إلى إنكار ما سيق هذا لأجله وهو فعل التطفيف . فأما المسلمون الخلص فلا شك أنهم انتهوا عن التطفيف بخلاف المنافقين . والظن : مستعمل في معناه الحقيقي المشهور وهو اعتقاد وقوع الشيء اعتقادا راجحا على طريقة قوله تعالى : إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ [ الجاثية : 32 ] . وفي العدول عن الإضمار إلى اسم الإشارة في قوله : أَ لا يَظُنُّ أُولئِكَ لقصد تمييزهم وتشهير ذكرهم في مقام الذم ، ولأنّ الإشارة إليهم بعد وصفهم ب « المطففين » تؤذن بأن الوصف ملحوظ في الإشارة فيؤذن ذلك بتعليل الإنكار . واللام في قوله : لِيَوْمٍ عَظِيمٍ لام التوقيت مثل أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ [ الإسراء : 78 ] . وفائدة لام التوقيت إدماج الرد على شبهتهم الحاملة لهم على إنكار البعث باعتقادهم أنه لو كان بعث لبعثت أموات القرون الغابرة ، فأوما قوله لِيَوْمٍ أن للبعث وقتا معينا يقع عنده لا قبله . ووصف يوم ب عَظِيمٍ باعتبار عظمة ما يقع فيه من الأهوال ، فهو وصف مجازي عقلي . و يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ بدل من « يوم عظيم » بدلا مطابقا وفتحته فتحة بناء مثل ما تقدم في قوله تعالى : يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً في سورة الانفطار [ 19 ] على قراءة الجمهور ذلك بالفتح . ومعنى يَقُومُ النَّاسُ أنهم يكونون قياما ، فالتعبير بالمضارع لاستحضار الحالة . واللام في لِرَبِّ الْعالَمِينَ للأجل ، أي لأجل ربوبيته وتلقي حكمه .