الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

158

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

[ 9 ] [ سورة الانفطار ( 82 ) : آية 9 ] كَلاَّ بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ ( 9 ) كَلَّا ردع عما هو غرور باللّه أو بالغرور مما تضمنه قوله : ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ [ الانفطار : 6 ] من حصور ما يغرّ الإنسان بالشرك ومن إعراضه عن نعم اللّه تعالى بالكفر ، أو من كون حالة المشرك كحالة المغرور كما تقدم من الوجهين في الإنكار المستفاد من قوله : ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ والمعنى : إشراكك بخالقك باطل وهو غرور ، أو كالغرور . ويكون قوله بعده : بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ إضرابا انتقاليا من غرض التوبيخ والزجر على الكفر إلى ذكر جرم فظيع آخر ، وهو التكذيب بالبعث والجزاء ويشمله التوبيخ بالزجر بسبب أنه معطوف على توبيخ وجزر لأن بَلْ لا تخرج عن معنى العطف أي العطف في الغرض لا في نسبة الحكم . ولذلك يتبع المعطوف بها المفرد في إعراب المعطوف عليه فيقول النحويون : إنها تتبع في اللفظ لا في الحكم ، أي هو اتباع مناسبة في الغرض لا اتباع في النسبة . ويجوز أن يكون كَلَّا إبطالا لوجود ما يغرّ الإنسان أن يشرك باللّه ، أي لا عذر للإنسان في الإشراك باللّه إذ لا يوجد ما يغرّه به . ويكون قوله : بَلْ تُكَذِّبُونَ إضرابا إبطاليا ، وما بعد بَلْ بيانا لما جرّأهم على الإشراك وأنه ليس غرورا إذ لا شبهة لهم في الإشراك حتى تكون الشبهة كالغرور ، ولكنهم أصروا على الإشراك لأنهم حسبوا أنفسهم في مأمن من تبعته فاختاروا الاستمرار عليه لأنه هوى أنفسهم ، ولم يعبئوا بأنه باطل صراح فهم يكذبون بالجزاء فذلك سبب تصميم جميعهم على الشرك مع تفاوت مداركهم التي لا يخفى على بعضها بطلان كون الحجارة آلهة ، ألا ترى أنهم ما كانوا يرون العذاب إلا عذاب الدنيا . وعلى هذا الوجه يكون فيه إشارة إلى أن إنكار البعث هو جماع الإجرام ، ونظير هذا الوجه وقع في قوله تعالى : فَما لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ وَإِذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ في سورة الانشقاق [ 20 ، 22 ] . وقرأ الجمهور : تُكَذِّبُونَ بتاء الخطاب . وقرأه أبو جعفر بياء الغيبة على الالتفات . وفي صيغة المضارع من قوله : تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ إفادة أن تكذيبهم بالجزاء متجدد لا