الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

133

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ [ الأنبياء : 104 ] لأن ظاهره اتصال طيّ السماء بإعادة الخلق ، وتصير الأشراط التي تحصل قبل البعث سبعة والأحداث التي تقع بعد البعث خمسة . والجحيم أصله : النار ذات الطبقات من الوقود من حطب ونحوه بعضها فوق بعض ، وصار علما بالغلبة على جهنم دار العذاب في الآخرة في اصطلاح القرآن ، وتسعيرها أو إسعارها : إيقادها ، أي هيّئت لعذاب من حقّ عليهم العذاب . وقرأ نافع وابن ذكوان عن ابن عامر وحفص عن عاصم وأبو جعفر ورويس عن يعقوب : سُعِّرَتْ بتشديد العين مبالغة في الإسعار . وقرأه الباقون بالتخفيف . وقوبلت بالجنة دار النعيم واسم الجنة علم بالغلبة على دار النعيم ، و أُزْلِفَتْ قربت ، والزلفى : القرب ، أي قربت الجنة من أهلها ، أي جعلت بقرب من محشرهم بحيث لا تعب عليهم في الوصول إليها وذلك كرامة لهم . واعلم أن تقديم المسند إليه في الجمل الثنتي عشرة المفتتحات بكلمة إِذَا * من قوله : إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ إلى هنا ، والإخبار عنه بالمسند الفعلي مع إمكان أن يقال : إذا كورت الشمس وإذا انكدرت النجوم ، وهكذا كما قال : فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّماءُ فَكانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهانِ [ الرحمن : 37 ] أن ذلك التقديم لإفادة الاهتمام بتلك الأخبار المجعولة علامات ليوم البعث توسلا بالاهتمام بأشراطه إلى الاهتمام به وتحقيق وقوعه . وإن إطالة ذكر تلك الجمل تشويق للجواب الواقع بعدها بقوله : عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ وجملة : عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ يتنازع التعلق به كلمات إِذَا * المتكررة . وعن عمر بن الخطاب : « أنه قرأ أول هذه السورة فلما بلغ عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ قال : لهذا أجريت القصة » أي هو جواب القسم ومعنى عَلِمَتْ أنها تعلم بما أحضرت فتعلمه . وقوله نَفْسٌ نكرة في سياق الشرط مراد بها العموم ، أي علمت كل نفس ما أحضرت ، واستفادة العموم من النكرة في سياق الإثبات تحصل من القرينة الدالة على عدم القصد إلى واحد من الجنس ، والقرينة هنا وقوع لفظ نفس في جواب هذه الشروط التي لا يخطر بالبال أن تكون شروطا لشخص واحد ، وقد قال تعالى : يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ [ آل عمران : 30 ] .