الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

127

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

للحساب بل هذا حشر في الدنيا وهو المناسب لما عدّ معه من الأشراط ، وروي معناه عن أبي بن كعب . وتسجير البحار : فيضانها قال تعالى : وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ في سورة الطور [ 6 ] . والمراد تجاوز مياهها معدل سطوحها واختلاط بعضها ببعض وذلك من آثار اختلال قوة كرة الهواء التي كانت ضاغطة عليها ، وقد وقع في آية سورة الانفطار [ 3 ] : وَإِذَا الْبِحارُ فُجِّرَتْ وإذا حدث ذلك اختلط ماؤها برملها فتغير لونه . يقال : سجّر مضاعفا وسجر مخففا . وقرئ بهما فقرأه الجمهور مشددا . وقرأه ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب مخففا . وقوله تعالى : وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ شروع في ذكر الأحوال الحاصلة في الآخرة يوم القيامة وقد انتقل إلى ذكرها لأنها تحصل عقب الستة التي قبلها وابتدئ بأولها وهو تزويج النفوس ، والتزويج : جعل الشيء زوجا لغيره بعد أن كان كلاهما فردا ، والتزويج أيضا : جعل الأشياء أنواعا متماثلة قال تعالى : وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ [ الرعد : 3 ] لأن الزوج يطلق على النوع والصنف من الأشياء والنفوس : جمع نفس ، والنفس يطلق على الروح ، قال تعالى : يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ [ الفجر : 27 ، 28 ] وقال : أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ [ الأنعام : 93 ] . وتطلق النفس على ذات الإنسان قال تعالى : وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ [ الأنعام : 151 ] وقال : هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ [ الجمعة : 2 ] وقال : فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ [ النور : 61 ] أي فليسلم الداخل على أمثاله من الناس . فيجوز أن يكون معنى النفوس هنا الأرواح ، أي تزوج الأرواح بالأجساد المخصصة لها فيصير الروح زوجا مع الجسد بعد أن كان فردا لا جسم له في برزخ الأرواح ، وكانت الأجساد بدون أرواح حين يعاد خلقها ، أي وإذا أعطيت الأرواح للأجساد . وهذا هو البعث وهو المعنى المتبادر أولا ، وروي عن عكرمة . ويجوز أن يكون المعنى وإذا الأشخاص نوعت وصنفت فجعلت أصنافا : المؤمنون ، والصالحون ، والكفار ، والفجار ، قال تعالى : وَكُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ وَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ وَالسَّابِقُونَ [ الواقعة : 7 - 10 ] الآية .